ملامح اللغة المشتركة في حركة البعث

اذهب الى الأسفل

موضوع مثبت ملامح اللغة المشتركة في حركة البعث

مُساهمة من طرف عزالدين بن حسين القوطالي في الخميس 14 فبراير 2008 - 12:49

ملامح اللغة المشتركة في حركة البعث


علي الحلّي


ليس القصد هنا من الحديث عن دور اللغة في حركة البعث البحث عن الخواص اللغوية المجردة من نحو وصرف وفقه لغة وما يلتز بها من قضايا الجناس والطباق والتورية ومحسنات البيان والبديع بل يرتكز الهدف الجوهري على تلمس الصيغ ورصد الأنماط وفرز التراكيب التعبيرية التي تفصح عن محتويات ومضامين خاصة تعبر عن مفاهيم ملتصقة عضويا بحركة عربية ثورية إنقلابية شاملة هي حركة البعث العربي ولا تنصرف دلالاتها الى سواها من قيم ومقومات الحركات أو الأحزاب السياسية التي ظهرت للوجود في أقطار الوطن العربي سواء على صعيد التعامل الفكري بين الأفراد والجماهير أو التواصل الحقيقي في مسيرة العمل الثوري اليومي بين المفكرين والمناضلين وسائر الفصائل الأخرى .
وقبل الدخول في صلب الموضوع ومن ثم الكشف عن جوانبه وعرض تفاصيله لا بد لنا من إستعراض تاريخي موجز للحقبة المرحلية التي سبقت شخوص هذه المعالم الأساسية البارزة وأكسبتها هويتها المتميزة فيما بعد لا سيما في أعوام الخمسينات التي تجلى فيها عنفوان الحركة على جميع الأصعدة النضالية والفكرية والفنية والإقتصادية والإجتماعية وأنتقلت خلالها مراكز الصراع من خنادق الدفاع الحذر الشجاع الى ساحات الهجوم المتقدمة ومن مواقع الكفاح السري أو السلبي الى ميادين التحديات والمواجهات العلنية لأنظمة الحكام المتسلطين الطغاة .
في سنوات الحرب العالمية الثانية والفترة التي تلتها ولنقل في الأربعينات على وجه الحصر والتحديد كانت هناك لغتان تعبيريتان مفرزتان تمتلكان مضامين خاصة تبرز آثارهما وأنشطتهما في مستويات التعامل كافة عبر النشرات الدورية والكتب الموضوعة والمترجمة ومن خلال العمل الصحفي والإذاعي والتلفزيوني وبقية أجهزة الدعاية المباشرة حيث كان الإعلام بمفهومه العلمي المعاصر ومؤشراته الموضوعية والتقنية الحديثة مفقودا تماما آنذاك .
ومن حركة هاتين اللغتين الرئيسيتين كانت الرؤى السياسية والإقتصادية والإديولوجية تتسرب وتتسلل بشكل أو بآخر الى عقول وضمائر الرأي العام العالمي الذي أثقلته أوزار الحرب الدامية ونتائجها الخانقة ودفعت به الى التفكير الجدي بمصير أجياله المقبلة ومستقبله المجهول .
كانت إحدى هاتين اللغتين البارزتين تنطلق من المضمون الأممي المعبر عن معطيات الماركسية اللينينية الستالينية والشيوعية الدولية وهو ما يطلق عليه اليوم المعسكر الإشتراكي بصرف النظر عن الملابسات التي طرأت فيما بعد . ومن الأمانة للتاريخ هنا التأكيد بأن رقعة المعسكر الأممي وقتئذ كانت تشغل مساحة جغرافية وسكانية أوسع غب الحرب العالمية الثانية مباشرة . فالى جانب الإتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية كانت هناك الصين منذ تحرير البر الصيني عام 1949 من نظام تشان كي تشيك وتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1956 بالإضافة الى يوغسلافية وتعاطف حركات تحررية وطنية وملايين عديدة من الديمقراطيين واليساريين وأعداء الفاشية .. وكانت تلتقي كلها في نمط واحد أو صيغة متماثلة من حيث المصطلحات التعبيرية وفق المنظور المتقدم .
أما اللغة الثانية فكانت تمثل المنطلق الإستعماري والإمبريالي الجديد الذي تنضوي تحت راية الإحتكارية كل دول الغرب الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا والتي إنضمت إليها مخلفات الأنظمة المقهورة من دول المحور ألمانيا الإتحادية وإيطاليا واليابان الى جانب كل الدول والقوى الرجعية واليمينية والشراذم العنصرية والجماعات العرقية المكشوفة كالصهيونية العالمية والأقليات البيضاء الحاكمة في روديسيا وبريتوريا وناميبيا .
وكان للغة الثانية لغة الإستعمار العالمي الجديد أثر كبير في التخريب الثقافي والتشويه الفكري والدجل السياسي والشعوذة الفنية فكانت أرض الوطن العربي من محيطه الى خليجه قبل الحرب وخلالها وبعدها بقليل ترزح تحت نير الإستعمارين القديمين البريطاني والفرنسي بصورة خاصة إذا أخذنا بنظر الإعتبار سيطرة الأنكليز على القطر الليبي الخاضع تحت الإحتلال الإيطالي الفاشي بعد إنهيار دول المحور في شمال إفريقيا في معركة العلمين الشهيرة . أما أريتريا فقد كانت والحبشة ضمن سيطرة حكم موسوليني ؛ وفي القطر العراقي مثلا لعبت مكاتب الإرشاد البريطانية وأوكار التجسس مثال " فرياستارك" و" نادي الحرية" ودور الثقافة والنوادي المشبوهة والمؤسسات التبشيرية التي إتخذت من الدين ستارا لها أخطر عملية في تسميم الرأي العام والدس على مقدساته العربية القومية من خلال زرع بذور لغتها الإستعمارية . ولم يكن آنذاك لدى الأحزاب والحركات القومية بصورة إجمالية ذلك الأكسير الفعال وتلك المناعة الكافية أو القدرة المؤثرة على الوقوف بوجه هذا الغزو اللغوي الإستعماري الجديد بما بعادله من ردود الفعل الناجحة على الرغم من النظافة القومية المسلم بها التي كانت بعض تلك القوى أو الأحزاب تمتلكها الأمر الذي أدى بالفعل الى تراجع البعض منها أو سقوطه في منتصف الطريق وإختفاء البعض الآخر عن حلبة الصراع المحتدم بفعل الضربات الموجعة التي تلقتها وعدم إستعدادها على نقل الديمومة الثورية في تلك المرحلة بما يكفل التبشير بمفاهيمها وأهدافها وأداء مهمتها الكاملة حتى نهاية الشوط الى أن ظهرت للوجود حركة البعث العربي الإشتراكي لتقرن عن وعي ومعاناة ومسؤولية ترابط الفعل بالإيديولوجية والفكر بالممارسة والخبز بالحرية الإنسانية في المجتمع العربي الجديد ومن هنا تبرز أهمية الحديث الجدي عن دور اللغة المشتركة في حركة البعث ومبررات سماتها الإشتراكية في مسار التطبيق العملي .
ولعل أول مؤشر لظهور لغة البعث الأصيلة كانت تتجلى من الكتابات المبكرة للقائد المؤسس الرفيق ميشيل عفلق ونشريات جريدة " البعث" في دمشق الى جانب المنشورات والبيانات والكراريس التي كان العديد من الرفاق الأوائل والرواد الذين واكبوا حركة البعث منذ بدايتها يطلعون بها على الجماهير العربية ويبذرون مفاهيمها البسيطة العميقة المخلصة بشكل متواصل .ومن الإنصاف للحقيقة أن نذكر هنا أن مجلة " الآداب" البيروتية لعبت دورا طيبا لا ينسى في هذا المضمار خلال الخمسينات على وجه الخصوص حيث نشرت مختلف المقالات الإيديولوجية للأستاذ شبلي العيسمي والدكتور عبد الله عبد الدائم بشكل خاص بالإضافة الى العديد من الدراسات الأدبية والسياسية والبحوث والمناقشات النقدية والقصص والقصائد الشعرية بالقدر الذي تحددت معه سمات المدرسة البعثية وبرزت معالمها ووضحت خواص اللغة المشتركة بين المفكرين والنقاد والقصصيين والشعراء والكتاب البعثيين والقراء أنفسهم كذلك على سائر إمتداد الخريطة العربية .
ولأول مرة في تاريخ العرب الحديث تأكدت أيضا من خلال لغة الكتابة أو المخاطبة المشتركة أسس الرفض الإيديولوجي الحازم لكل نوازع الإقليمية وشرور الطائفية والعنصرية والفينيقية والفرعونية والتجزيئية وغيرها من أمراض الإستعمار القديم ومخلفاته الموروثة البغيضة المزمنة في المجتمع العربي والتي كانت تذر قرنها بين الفينة والأخرى حسب الظروف الإستعمارية وشرائع الغزو والإستيطان والإحتلال الأجنبي 0
ومنذ بدايات حركة البعث عاشت الجماهير العربية بعمق وصدق ومعاناة وبعد عن الذيلية والإنتهازية والببغاوية الكثير من مصطلحات اللغة المشتركة ذوات الدلالات الضخمة في الفكر والعمل وبكل وسائل النشر المتيسرة آنذاك أمثال " كان محمد كل العرب فليكن كل العرب محمدا " و" العرب مادة الإسلام" و" إذا ذلت العرب ذل الإسلام" و" البعث حركة أخلاقية قبل كل شيء" و"من المحيط الى الخليج" و" والإنقلابية إعداد ثوري" و" الإنقلاب على الواقع الفاسد" و" الحياد الإيجابي" و" عدم الإنحياز" و "الكفاح الشعبي المسلح" و " والإشتراكية العربية " و " شعب عربي واحد لا شعوب عربية متعددة " و الإشتراكية دين الحياة " و "رسالة العرب الخالدة " و" أهداف الوحدة والحرية والإشتراكية " و " نفط العرب للعرب" الى غير ذلك من المفاهيم الثورية الداعية الى التركيز على الإنقلاب الجذري في حياة العرب مع الإهتمامات البارزة بالجوانب الروحية للرسالة القومية ومن ثم رفع الشعارات المصيرية من خلال الممارسات الفعلية لإسقاط الأنظمة الملكية الفاسدة في الوطن العربي وإقامة الأنظمة الجمهورية الإشتراكية العربية الموحدة بديلا عنها .
ولما كانت قضية التبشير الشعبي على النطاق الواسع مسألة بالغة التعقيد وتصطدم بكثير من المعوقات والعراقيل لأسباب عديدة منها ما يتصل بالأنظمة العربية الملكية وتراكيبها البوليسية الحادة ومنها ما يتعلق بغياب الأدوات العلنية للتبشير الجماهيري أو لإحجام الكثيرين من أصحاب الصحف والمجلات ودور الطباعة عن نشرها تحسبا وخشية من الحكام وبطش قوانينهم التعسفية أو تجنبا للإفلاس التجاري على أحسن تقدير . وليس من قبيل الإدعائية أو المبالغة القول إن الكثير من الهمسات والنظرات الخاصة كانت تعبر بوضوح عن دلالات اللغة المشتركة المكثفة عندما يكون من المتعذر تداول الأخيرة في المواقف الصعبة المحرجة أو الحالات الإستثنائية .
لذلك كان لا بد لشباب البعث الطلائعي أن يشق له دربا جديدا ويتبع أسلوبا بارعا في سبيل تداول وإشاعة " اللغة المشتركة " ليس فقط على الألسنة والحناجر بل وفي أدوات النشر والعلانية المتعددة . وعلى الرغم من أن أوساط المثقفين والمتعلمين والطلاب العرب من شتى ديار العروبة كانوا يشكلون الأدوات المجرية الجادة لنشر " اللغة المشتركة" إلا أن الصحافة السرية والمنشورات ولصق البيانات في السيارات الحكومية والمقاهي الشعبية وعلى الجدران والجسور والأعمدة ورفع اللافتات الثورية أثناء التظاهرات والإضرابات كلها لعبت دورا بارزا وسجلت إنتصارات باهرة في جميع المستويات النضالية رغم فداحة الثمن حتى أصبحت لغتنا المشتركة الحبيبة الرائعة وسيلة ناجحة في " التعارف" و" التعرف" و" الإلتقاء" بين طلائع البعثيين بل إن السلطات الملكية الغاشمة كانت تتصيد البعثيين أنفسهم وتكشف عن هوياتهم من خلال تداول هذه العملة النادرة " اللغة المشتركة" فيشبع " المخبرين" صفحات تقاريرهم السرية السوداء من محصلات صيد الحروف والكلمات والعبارات البعثية المتميزة .
هكذا كانت البداية الحية الملهمة ... لغة بسيطة صادقة نابعة عن تجربة نضالية أخلاقية نقية .... ثم تفجّر بركان الثورة العربية المعاصرة ليفصح عن أصالة وجدان البعث العظيم في عروق الأرض العربية العملاقة .
بحث منشور بمجلة آفاق عربية
العدد 8 نيسان 1976
avatar
عزالدين بن حسين القوطالي
مساعد المدير
مساعد المدير

ذكر
عدد الرسائل : 268
تاريخ التسجيل : 16/12/2006

http://yahoo.fr

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى