نحو جيل عربي قويّ

اذهب الى الأسفل

موضوع مثبت نحو جيل عربي قويّ

مُساهمة من طرف عزالدين بن حسين القوطالي في الخميس 21 فبراير 2008 - 13:29

نحو جيل قوي




الكاتب: الدكتور منيف الرزاز




لقد أفلس الجيل القديم ، أفلس الجيل الذي قاد هذه الأمة خلال ثلاثين عاما ً أسلسنا له فيها القياد ، و أطعناه الطاعة العمياء ، و سرنا خلفه حيث سار . و لكن هذا الجيل القديم كان يسير و هو لا يكاد يعرف إلى أين المصير و كان يجاهد و هو لا يكاد يدري أين تستقر به الأمور لا سبيل مرسوم و لا اتجاه واضح و لا غاية ملموسة ، حتى تردينا في هذه الهوّة السحيقة التي انتهينا إليها ، و دفعنا لها ثمنا ً باهظا ً كلفنا لأموالنا و أنفسنا و أوطاننا و بيوتنا و ملاعب صبانا فحسب ، بل لقد كدنا ندفع لها ثمنا ً إيماننا بحقنا في الوجود ، و عقيدتنا بإمكانيات هذه الأمة .
و عزمنا على أن نخلف أمة جديدة حيّة قادرة على أن تؤكد ذاتها في العالم الجديد . إننا لم نشعر يوما ً بالحاجة إلى دم جديد و جيل جديد و عقلية جديدة كما نشعر هذه الأيام ، أن نفسيتنا في حاجة إلى انقلاب عميق ، حقيقي ، ينبعث من ذواتنا و يصدر عن شعورنا بالألم ، الألم القاسي العنيف الذي يصور نفوسنا و يغسلها من أدرانها و يبعثها حيّة جديدة نشيطة تنسف إرث الماضي
و تخلق أمة من جديد .
و لا أظن أمة مرّت في تاريخها بدور عامر بالألم القاسي العنيف كما تمر أمتنا هذا الدور ، و لا أظن أننا يوما ً بمبعوثين ، إذا لم يبعثنا هذا الألم اليوم ، بل في هذه الساعة ، إلى تطهير نفوسنا و الارتفاع بذواتنا إلى مستوى جديد من الإيمان و من العقيدة و من العمل المنتج الدقيق .
لقد كفرت الأمة بقادتها و زعمائها ، و لكنها وجدت نفسها في جو غامض من التخبط و البلبلة ، دفعها إلى أن تدير رأسها هنا و هناك تنشد قائدا ً جديدا ً و زعيما ً جديدا ً ، و هيهات ! إن هذه الأمة إذا أرادت لنفسها أن تحيا مرّة أخرى و أن تبعث بعثا ً صحيحا ً و أن تتجنب المهاوي و الأخطاء ، فإن عليها أن تفتش لا عن زعيم يقودها بل عن نفسها و ف ي ذواتها و في قلوب أفرادها ، أفرادها جميعا ً بلا استثناء .
من عناصر الحياة و الإيمان و التجدد لتخلق شعبا ً جديدا ً ذا مبادئ جديدة و وسائل جديدة تواجه ملمات الزمان ، إن خلاصنا
في أيدينا ، أيدينا نحن ، أيدي الأمة جميعا ً لا في يدي زعيم و لا في مكنة قائدة . لقد وضعنا إيماننا في أفراد ، فأضاعنا هؤلاء الأفراد ، و في خلال ذلك أهملنا إيماننا في أنفسنا ، إن واجبنا الآن أن نحقق ما أضعناه من جديد .
و في يد الجيل القادم الجديد ، هذا الخلق و هذا الإبداع المنتظر إن على هذا الجيل أن يفهم حق الفهم و أن يرض هذا الفهم في
صميم عقيدته و إيمانه و كيانه ، أن أمته التي وضعها الله وسطا ً بين أمم الشرق و الغرب أمة ذات رسالة و ذات إمكانيات ،
و أنها حققت وجودها مرّة و أنها ستحقق وجودها مرّة أخرى .
و على هذا الجيل أن يفهم أن مقومات الأمة أفرادها و أن الأمة لا تصلح إلا إذا صلحت نفوس مقدماتها و سمت و ارتفعت عن صغائر الأمور و تمسكت بمثل عليا رفيعة سامية ، و أن هذه المثل لا تفرض عليه من الخارج ، و لا هي بالأمور التي نتركها لأن غيرنا لم يتمسك بها ، و إنما هي مُثل ْ نحققها نحن ، و تنبعث من نفوسنا نحن ، لشعورنا العميق بضرورتها و أهميتها و أن علينا أن نتمسك بها بقوة فلا تنحل قبضتنا و لو بقينا نكافح وحدنا ، إن عليه أن يحطم الأصنام العبيد و أن يحطم بالي التقاليد .
و أن يخلق مثله العليا لا بما أورثه إياه الآباء فحسب ، و لا بما علمه إياه الغرب فحسب، و لكن من نفسه العميقة الشاعرة بذاتها ، المدركة لأهميتها المفكرة في كيانها ، مستمدة من تاريخها القديم و من تعليمها الجديد و من ظروف بيئتها و أحوال مجتمعها . و على هذا الجيل أن يفهم أن الوسيلة لا يمكن أن تختلف عن الغاية ، و أن الغاية النبيلة لا يمكن أن تبرر الوسائل الحقيرة للوصول إليها ، لأن الإيمان بالغاية إيمان نفسي عميق يجب أن يتغلغل في كل خلية من خلايا كياننا حتى يأخذ علينا كل أعمالنا و حركاتنا و أفكارنا فلا نحيد و لا نسمح لأنفسنا أن نحيد .
إن الإيمان بالمبدأ النبيل يستتبع العمل النبيل و يستتبع الحياة النبيلة في أصغر تفاصيلها و دقائقها ، و الجيل القوي يجب أن يكون
صورة للأمة القوية في تفاصيل حياته ، في منحنيات تفكيره ، في صدق عواطفه و في استقالة اتجاهه . و على هذا الجيل أن يقلب مقاييسه الخلقية رأسا ً على عقب ، إذ يجب أن يدرك أن أزمتنا الحاضرة أزمة خلقية في الدرجة الأولى .
فقد سمعنا خلال قرون طويلة أن أساس الخلق أساس يعتمد على الابتعاد عن الآثام ، و الانزواء عن الزلل و الامتناع عن المعاصي .
و آن الأوان لكي نؤمن أن أساسنا الخلقي يجب أن ينقلب إلى أساس إيجابي بناء ً يعتمد على العمل المثمر و الواجب الملح و المسؤولية الجسيمة . ليس أفضل الناس من يسلم الناس من أذاه ، لقد ولّى عهد هذه الحكمة الغالية، و لكن أفضل الناس من
أعطى الناس مما أوجبته عليه مسؤوليته كفرد من أفراد الأمة .
إنه فرد ، فرد واحد و لكنه أحد من مجموع ، فإذا لم يذكر هذا المجموع فبعيدة عنه القوة و بعيدة عنه صفات الجيل القوي ، إن السؤال الخلقي الخالد يجب أن يتحول من ما "الذي نتجنبه لنكون صالحين" إلى " ما الذي نعمله لنكون صالحين " . على هذا الجيل أن يعرف كيف يقول " لا " حيث يجب " لا " أن تقال ، و لكنه يجب أن يدرك أن قولة " لا " ليست ذكر حرفين لينين على لسان ، بل مسؤولية عظمى تحتاج إلى تهيئة عظمى و تحتاج إلى مجهود جبار و تستدعي عملا ً جاهدا ً قاسيا ً ، و تستتبع استعدادا ً منظما ً عاتيا ً . لقد قال زعماء جيلنا القديم " لا " مرات لا يكاد يحصرها العد ، و لكنهم قالوها و انقلبوا إلى أهلهم فرحين بأنهم قالوها .
فإذا قالها الجيل الجديد فيجب أن يدرك أن لها مسؤوليات عظمى قد ترتبت عليه و تضحيات جسيمة قد تتطلب منه ، و عليه أن يهيئ نفسه لهذه المسؤوليات و هذه التضحيات . و ختاما ً على هذا الجيل الجديد أن يؤمن ، و أن يؤمن مدفوعا ً من نفسه ، بمثل يخلقها من ذاته ، بحريته التامة ، و أن يعمل حسب هذا الإيمان جاهدا ً مخلصا ً في كل دقائق حياته ، لا لمنفعة نفسه كفرد ، و لكن كفرد في مجموع ، بمثل هذا الجيل القوي تعيش أمة فتؤدي رسالة ، و تحقق وجودا ً .
كتبها الدكتور منيف الرزاز
مجلة صوت الجيل – العدد الخامس لعام 1949 صدرت عن ثانوية اربد للبنين
avatar
عزالدين بن حسين القوطالي
مساعد المدير
مساعد المدير

ذكر
عدد الرسائل : 268
تاريخ التسجيل : 16/12/2006

http://yahoo.fr

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى