من أساسيات الفكر القومي في نظرية البعث

اذهب الى الأسفل

موضوع مثبت من أساسيات الفكر القومي في نظرية البعث

مُساهمة من طرف عزالدين بن حسين القوطالي في الإثنين 3 مارس 2008 - 20:09

من أساسيات الفكر القومي
في نظرية البعث

محي الدين إسماعيل



إن أول ملحوظة تبدو هنا عند بحث الانب القومي في فكر حزب البعث العربي الإشتراكي هي أن هناك مفارقة أساسية بين فكرة البعث وبين الفكر القومي التقليدي . فالفكر القومي التقليدي في جوهره رد فعل إذ جاء ردّا على شعوبية الفكر وحركات " التتريك" و" التغريب" منذ مطلع القرن العشرين معتمدا في ذلك على بديهية أساسية هي أن الأمة العربية كيان قومي قائم بذاته وأن هذا الكيان لا بد له أن يتجسد في الدولة القومية الواحدة وكانت فكرة قيام الدولة العربية الواحدة في الفكر القومي التقليدي خلوا من أي تصور كامل للدولة العربية الواحدة وتركيبها الإجتماعي وعلاقة الدولة بالفرد وعلاقة الفرد بالمجتمع وموقف الدولة من العالم وقضاياه والعصر ومشكلاته .
-1/ أربعينات هذا القرن وإنهيار الفكر القومي التقليدي :
وفي أربعينات هذا القرن بدأ بعض المثقفين العرب يحسون بالخلل الذي تنطوي عليه الفكرة القومية التقليدية الفارغة من المحتوى النظري بشكل الدولة وعلاقاتها ووشائجها الإجتماعية فكانت هناك المحاولات الأولى التي أشادت الى خلوّ هذه النظرة من أي محتوى إجتماعي أي تصور للدولة ولكن بعض هذه المحاولات قد جائت على شكل مقترحات فيها سذاجة المحاولات الأولى .
ومثال ذلك أن عبد الله العلايلي قد كتب " دستور القومية العربية " عام 1941 ما مؤداه أن الفكرة القومية لا يمكن أن تحتوي على أي غنى حقيقي ما لم تقم هناك فلسفة قومية تفسر الفكرة القومية وتنتصر لها . وفي الحقيقة أن ما أورده عبد الله العلايلي عن فكرة القومية العربية وإغنائها بفلسفة قومية قادرة على تفسيرها وتبريرها عقليا هو في الحقيقة تطوير ساذج لأفكار وملاحظات ساطع الحصري وقسطنطين زريق وغيرهما من كتاب القومية التقليدية . وعندما ناقش بعض كتاب اليسار عبد العلايلي في أطروحته هذه ومن بينهم رئيف الخوري بدا أن كتاب اليسار آنذاك يمتلكون تصورا اشمل مما كان يمتلكه العلايلي .
هذه الملحوظة الأولية في مفارقة فكر البعث للفكر القومي التقليدي ترتّبت عليها جملة من القضايا الإيديولوجية الأساسية يمكن إجمالها بنقطتين رئيسيتين هما :
-**- أن فكرة البعث إبتداءا من مرحلته التأسيسية قد إنطوت على تصورات متكاملة عن موقع الفرد في المجتمع .
-**- إن فكرة البعث قد وضعت الأسس للعمل العربي السياسي بإعتباره أسلوبا للعمل ومنهجا له .
ومن هاتين النقطتين الرئيسيتين إنبثقت الفكرة المحورية بتصميمها الثوري وهي : أن قيام الحزب القائد الذي تتجسد فيه فكرة البعث وأسلوب العمل السياسي أو المنهج الذي لم يكن خيارا بين إحتمالات ولكنه جزء متساوق مع طبيعة الفكرة ووجهتها . والملحوظة الثانية أن فكرة البعث لم تكن جزءا أو تطويرا لمحاولات الفكر القومي التقليدي التي كانت تبحث عن فلسفة قومية تغني بها تصوراتها للأسلوب والأهداف .
-2/ رفض الأشكال النهائية في الحركة الثورية :
إن فكرة البعث لم تكن عقيدة مهيأة بشكل قبلي مسبق بل كانت دليلا للهدف وأسلوبا متجددا للحركة لأنه نتاج حركة الواقع القومي غير المحدد بإطار أو أطر ثابتة نهائية إذ الواقع الحي يرفض الأشكال النهائية .
ففي الفترة التي سبقت نشوء فكرة البعث وبروزها كحركة فاعلة في الواقع العربي كانت الفكرة القومية في شكلها التقليدي خلوا من القدرة على كثير من الأسئلة العسيرة التي لا يصح لأية نظرية سياسية تطمح للتغيير أن تجد الجواب عنها .... ما هي ملامح المجتمع العربي الجديد في الدولة الواحدة ؟ ما هو شكل الإنتاج ؟ ما علاقة الفرد بالإنتاج وما علاقة الدولة به ؟ ما هو شكل الإنتاج في المجتمع العربي الجديد ؟ ما هي قيم أبنية المجتمع الجديد ؟ ما هو شكل التحولات المرتقبة ؟ ما هي شروط هذه التحولات ؟ ما مكان الفهم القومي لحركة المجتمع ومكان الفهم الطبقي له ؟ ما هي أهم محفزات حركة التاريخ ؟
هذه الأسئلة العسيرة ومثيلاتها والتي تمثل عقدا ذهنية أساسية في الفكر العربي لم تكن واضحة في وعي ووجدان الفكر القومي التقليدي فلقد كانت الفكرة التقليدية في فهم الأمة قد إعتمدت أساسا مفهوم الأمة بمعناه الرومانسي الذي كان في منظوره التاريخي رد فعل دون أبعاد إجتماعية أو أممية وقد قادها ذلك بالضرورة الى إهمال الواقع العربي وأستيحاء جملة من الأفكار الطوباوية التي لا مساس لها بالواقع العربي .على أن فكرة البعث قد وضعت الواقع العربي وحركته موضوعا لها وبذلك ربطت الوعي الإنساني بمصدره حركة المجتمع .
-3/ الحقيقة ماثلة في إنعكاس الوعي :
وتختلف فكرة البعث عن الأفكار القومية التقليدية والمثالية في نقطة أساسية تلك هي أن فكرة البعث لم تستهلك طاقاتها الذهنية في البحث عن الحقيقة فالحقيقة ماثلة في مصدر الوعي في الوقع العربي الذي ينطوي على جميع المعطيات التي تستمد منها أداة الوعي وإرادته المجسدتان للوعي أي الحزب الأهداف والوسائل والتصورات .
إن هذه " الحقيقة المثالية " هي ليست نهائية أي ليست مطلقة بل في حالة حركة دائمة وعبور مستمر طبقا لجملة من العوامل لا تحدها صيغ مسبقة التصور بشكل حتمي جبري من شأنه أن يلغي الإرادة الإنسانية ويهبط بها الى درجة الصفر . لم تقم فكرة البعث على حتمية أو جبرية نهائية إذ أدخلت في حسابها الإرادة الإنسانية الحرة التي أعربت عنها في أدبياتها الأولى بفكرة " الإنقلابية " التي تضمنت إرتباط الفرد العربي بواقعه المتحرك ثم بفهمه ووعيه لهذا الواقع وبالتالي تحوله الى قوة أساسية في تحوّل الواقع : إرادة التغيير .
وتنطوي الإنقلابية على جانب أخلاقي بمعنى الإلتزام في عملية التغيير المباشر ة الملتزمة لتحويل الواقع العربي . وفي الحقيقة فإن دراسة أدبيات البعث تكشف عن حقيقة هامة تلك أن فكرة البعث قد رفضت وجود قوانين عليا يخضع لها المجتمع في تحولاته بشكل عفوي . هنا تنتفي إطلاقا الحتمية التاريخية بمعناها المطلق المفارق للوعي الإنساني وتجسده في الإرادة الإنسانية . فالقانون الأعلى هو وعي الفرد لذاته ومكانه في المجتمع والعالم (الإنقلابية) ووعي الفرد العربي لدور أمته ومكانها من العالم والحضارة الإنسانية ( التنظيم) . من هنا أكدت أدبيات البعث على أن النظرية النضالية تنشأ من خلال التحولات التاريخية التي تصنعها الإرادة العربية .
-4/ تياران ومنطق جدلي واحد :
ولقد كان لزاما إزاء هذا كله أن يقوم حوار ضمني بين فكرة البعث وجميع محاولات التنظير " لظاهرة القومية " وكان ذلك ردا على تيارين أساسيين في الفكر العربي هما اليسار اللاقومي واليمين اللاقومي .
فاليسار اللاقومي قد بدأ من فرضية أن ليس هناك مجتمع مجرد مطلق كما أنه ليس هناك من إنسان مجرد مطلق بل هناك أشكال وأنماط مجسدة للمجتمعات وأن الإنسان غير المجرد غير المطلق والمتعين هو الذي يمثل المجتمع ويحمل خصائص تميزه عن حياة القطيع الحيواني ويؤثر المجتمع في الطبيعة – البيئة – كما أن البيئة تؤثر في المجتمع . ومن تفاعل الإنسان مع وسطه يبدأ المجتمع بخلق أدوات العمل التي تؤلف من موضوعات العمل وسائل الإنتاج ومن ملكية وسائل الإنتاج وأدواته تنشأ الفوارق الطبقية ومن هذه الفوارق ينشأ النضال الطبقي الذي يمثل الحافز الحقيقي لحركة التاريخ والثورات هي ذروة النضال الطبقي في حركة التاريخ .
أما البعث فيبدأ من منطلق المفهوم الحضاري الإنساني للأمة ذلك أن القومية في نظر البعث لا تمثل تناقضا مع الوجهة الإنسانية لحياة لمجتمعات بل إن عطاء القومية هو عطاء الإنسان عطاء مجتمعه عطاء حضارته .
في هذه النقطة بالذات لم يكن هناك في مفهوم البعث إزدواج أو تناقض إذ لم يكن هناك " بعثان" بعث قومي وبعث إنساني بل هناك فكرة التطابق الكامل بين العطاء القومي والعطاء الإنساني فأعظم عطاء إنساني في حياة المجتمعات هو عطاء الأمم في ذرى تفتحها ووعيها القومي . ويؤكد فكر البعث نقطتين أساسيتين هما : ديمومة الربط بين ظاهرة القومية ومشكلات العصر ومن صيرورة هذه الظاهرة بإعتبارها حقيقة ثابتة وليست ظاهرة عابرة موقوتة .
-5/ حركة التاريخ العربي وحسم النقائض الفرعية :
بالنسبة لديمومة الربط بين القومية ومشكلات العصر إستطاع البعث أن يكتشف ذرى حركة التاريخ كما أدرك أن شكلات العصر لا يمكن أن تحل عن طريق تصعيد النقائض الفرعية في المجتمع الواحد بحجة أن النقائض داخل المجتمع الواحد هي الحافز المحرك للتاريخ . بل الأمة من حيث هي وحدة عضوية في الأسرة الإنسانية خلو من الإزدواجية المتناقضة مع حركة المجتمع الإنساني تمتلك البعد الحضاري هي القادرة على تؤدي رسالتها الإنسانية وإنتفاء الإزدواجية بين القومية والإنسانية ينفي الإزدواجية بين مصلحة الأمة مصلحتها القومية ومصالح جماهيرها . بهذا المعنى لم تكن " رسالة البعث الخالدة " إصطلاحا رومانسيا طوباويا بل هي رسالة الأمة التي لا تنفيها وتلغي وجودها النقائض الفرية إذ الأمة هي أعلى كيان حضاري تعبر به الإنسانية عن وجودها . هنا من هذا الربط الجدلي بين القومية ومشكلات العصر – العالم الموضوعي – تتحقق صيرورة الحركة الثورية في التاريخ . وهكذا تقوم صيغة حية لحركة التاريخ هي صيغة الجدل الدائم بين التاريخ القومي ومشكلات العصر فالتاريخ القومي يؤكد ذاته من خلال العصر وبهذا يتحقق مبدأ حركة تاريخ الأمة من لال سياق العصر .
-6/ المؤسسات الحضارية ليست أبنية فوقية :
والعصر ديمومة لا تنقطع وتظل الأمة في حالة إجتياز دائم له بإعتباره بعدا يتضمن عمليات التحول والتغيير إذ هو البعد الإنساني الدائم الحركة من غير فصل تأملي لجزئيات زمنية مفترضة فالمستقبل هو ظرف الإستعداد الدائم لإحتواء حركة التاريخ القومي وخبراته لا عن طريق إفتراض قانون أعلى أو دافع حيوي ذاتي غير مدرك لذاته بل بإرادة واعية في الوسط الزماني .
في هذه النقطة يتمثل تقويم فكر البعث للمؤسسات الحضارية في التاريخ الإنساني ؛ فالمؤسسات الحضارية العليا ليست أبنية فوقية أو مؤسسات مرحلية عابرة بل هي الإسهام القومي الإنساني الباقي والتراث القومي في فكر البعث ليس خبرة ماضية تستق الإحترام فحسب ولكنها جزء عضوي من الهوية المعاصرة للأمة لا يمكن إقصاؤها وإستبعادها عن جوهر الأمة وحركتها ؛ والتراث هو ليس التراث العيني وحده بل هو التواصل الروحي والعقلي والوجداني للأمة في ضوء حركتها التاريخية ذلك أن حركة تاريخ الأمة يمتلك شرعا جميع خبراتها وقدراتها وقيمها وإمكانيات مباشرتها للعالم .
أما العابر المرحلي في حياة الأمة فهو الركام المجزأ وهو التخلف بمعنى تباطؤ حركة التاريخ وهو الذي تكتشفه إرادة الإنسان العربي والإنسان هنا ليس تجريدا بل تعيين وواقع حي في إطار التجربة يمتلك القدرة على " التذكر الحي " وإكتشاف الواقع يستتبعه فهم فاعل بإتجاه حل التناقضات الكامنة فيه من خلال الجدلية القائمة بين الأمة ومشكلات العصر " المعاصر دوما بلا إنقطاع " .
وأما اليمين اللاقومي فهو جبهة عريضة تنطوي على شتى الإتجاهات ولكنها تلتقي في نقطة واحدة هي إعتبار القومية ظاهرة عابرة غير أصيلة في حياة المجتمعات إذ هي وليدة عوامل عابرة غير أصيلة فهي لا تؤلف سوى إحدى الظواهر الإجتماعية التي ستنتفي مع إنتفاء العوامل التي ولدتها . وهكذا يلتقي فكر اليمين اللاقومي بمجمله في تفسير " ظاهرة القومية " ثم يفترق عن بعضه طبقا لمصالحه ونزعاته الفكرية . فالبعض منها يرى بأن القومية ظاهرة عابرة في حياة المجتمعات تتجه في خط التكتلات القارية التي تشير الى بداية إندثار تعدد القوميات في مجتمع إنساني واحد وبرموز لغوية واحدة . والبعض الآخر يمثل النزعات " الكوزموبوليتية " التي إنبثقت بشكل مباشر عن الفكر البورجوازي الذي يبرر الإمبريالية ومصالحها في وجه ثورات الشعوب وحركات التحرر القومي .
-7/ وأخيرا ظهرت نتائج الحوار :
إن فكر البعث منذ مرحلته التأسيسية في أربعينات القرن قد أكد على العامل اللغوي بإعتباره العامل القومي الأقوى فاعلية في تحديد سمات القومية وهويتها في الوقت الذي كانت فيه كثير من النظريات السياسية في العالم تهمل هذا العامل وترى أن اللغة أيا كانت ظاهرة خاضعة لنواميس التحول الإجتماعي وبعد حوار دام عدة عقود من السنين أصدر ستالين قبيل وفاته كراسه الشهير حول اللغة وهو الكراس الذي أعتبر فيه أن اللغة أداة قومية للإعراب عن حضارتها وأنها ليست بنت طبقة واحدة من المجتمع فهي بهذا المعنى تعلو على كل تناقضات المجتمع ولا تخضع للإنحلال .
إن فكر البعث قد إستطاع أن يحقق في الواقع العربي كشوفا فكرية هامة إذ وضع هذا الواقع موقع الرصد بإعتباره مصدر الوعي وهدفه وجعل من الأمة أداة الحضارة ومنبعها في رسالة لا تبطلها أي من نقائض المجتمع ومشكلات العصر .

بحث منشور بمجلة آفاق عربية
العدد 8 نيسان 1978
avatar
عزالدين بن حسين القوطالي
مساعد المدير
مساعد المدير

ذكر
عدد الرسائل : 268
تاريخ التسجيل : 16/12/2006

http://yahoo.fr

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى