البعث في مواجهة التحدي

اذهب الى الأسفل

موضوع مثبت البعث في مواجهة التحدي

مُساهمة من طرف عزالدين بن حسين القوطالي في الخميس 6 نوفمبر 2008 - 14:27

البعث في مواجهة التحدي




التمهيد:‏
كان الألم يعتصر الأفئدة في مطالعتنا للكيفية التي نجحت فيها شعوب أوربا في استكمال وحداتها القومية، لملمت مجتمعاتها المتجانسة عرقياً أثينياً لغوياً ثقافياً تاريخياً جغرافياً فكان المفهوم القومي والعقل القومي يؤكد وجوده كنهوض وميلاد نهضوي بعد سلسلة من الصراعات الدموية والحروب الأهلية والدينية، لكنها حققت في النهاية ما أملاه تاريخ تلك الشعوب من حقها في وحداتها القومية.‏
وإذا كان الشعب العربي في جميع أقطاره، لم تكن له تلك المراحل التي اجتازتها شعوب أوربا بسبب الحكم العثماني الذي حارب المفهوم القومي عند العرب وضحى بوحدة الشعب العربي عندما انهزمت الامبراطورية العثمانية في أقطار المغرب العربي أمام فرنسا ثم في مصر والسودان وتسليمهما إلى شعوبي آخر هو محمد علي باشا الذي تمكن من خداع العرب في أنه حريص على وحدة العرب وهو لم يكن عربياً ولا يتكلم العربية، ولا يصلي باللغة العربية، فآلت وحدة النيل إلى الحكم البريطاني في ظل أحفاد محمد علي.‏
وفي بلاد الشام عملت اتفاقية (سايكس ـ بيكو) تجزيئاً وتقطيع أوصال وتسليم هذه الأقطار إلى زعماء العشائر الغارقين في استنقاع لا قرار له من الجهل والتخلف، تحالفوا مع الأوربيين وقبلوا ما اتفق عليه سايكس وبيكو، وما أملاه اللورد بلفور للحركة الصهيونية، ولم يكن لديهم وعياً تاريخياً فيما سوف تؤول إليه الأمة العربية بقبولهم المشروع الصهيوني ـ عندما اعتبروا الحركة الصهيونية والقومية العربية تتعاونان وتتآزران لما فيهما خير للعرب واليهود، فقد كانوا إما جهلاء أغبياء أو متآمرين في قبول عروش من نسج الحلفاء المنتصرين على الدولة العثمانية.‏
هذا الواقع العربي المأزوم والآسن بين الحربين الكونيتين خضع لنزعات إقليمية تغرق في الأجزاء المصطنعة وهي تتطلع إلى الجزء ككيان كلي في هيولى مائعة تسبح في نسيجها الطائفية والعشائرية والفئوية التي ينهك قواها أي عابث يحاول التمرد أو العصيان، في الوقت نفسه انعكس التناحر العالمي والتنافس التاريخي على مواقع الأمة العربية عندما كان في القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر بين قوى عاتية تتمثل في روسيا والنمسا وإيطالياوفرنسا وإنكلترا وبروسيا إلىأن أصبحت روسيا امبراطورية الاتحاد السوفياتي طرحت الأممية وصدّرتها إلى المنطقة العربية لتشكل نزعة جديدة "الأممية" آمنت بالإقليمية وربطتها بالتكوين التاريخي والحضاري للجزء المستقل عن الأمة العربية تشكل نواة تحلل وانعتاق وتجريد تبلغ في انحرافها إلى حد الانفكاك من الأطر الزمانية والمكانية تلوذ وراء شعار إنسانوي مجرد لن يكون أقل خطورة على وحدة الأمة العربية من النزعة الإقليمية التي تقوم على العشائرية والطائفية فقدت صلاتها الحية بتاريخ عربي خرج فيه أبناء العروبة من صفحاته.‏
لم يكن قادة العرب على وعي بالتاريخ فانغمس بعضهم في نزعة قومية من دون وعي شمولي سيطر على أفكارهم وسلوكهم وعي قومي ناقص من منابت توحيد عاطفي طوباوي وسياسة سطحية واهنة اكتفت بالمظهر الوحدوي دون إدراك للنزعات التي راحت تتجذر في البيئات العربية بل خلقت نفسيات مجزأة تفجرت لدى البعض الآخر حركة انبعاث قومي وأصبحت الوحدة العربية ضرورة حتمية للرد على هذا التبعثر الفكري والتجزئة الإقليمية المصطنعة فطرح التغيير في الواقع القومي برمته سياسياً وثقافياً واجتماعياً للخروج من مآزق التجزئة أولاً والتحرر من الاستعمار الجديد ثانياً.‏
على الرغم من ذلك بل هو الواقع الذي عاشه العرب بين الحربين عجز قادة الفكر عن ربط فكرة الوحدة بفكرة الانبعاث الشامل وحل التناقضات والصراعات التي تتكوم يومياً بفعل الراهن المسيطر عليه من الآخر فسبب خلطاً آخر بالمفهوم القومي نتيجة التأثر بالفكر البورجوازي الغربي الوافد، خاصة وأن الوحدة الألمانية والإيطالية تشد العاطفة العربية وتشكل نزعة وحدوية رداً على الإقليمية والأممية وما فيهما من أخطار على وحدة الأمة العربية.‏
هذه النزعات والدعوة إلى الإصلاح والتحديث وطرح الفكر الوحدوي كان قبل نشوء البعث العربي، والنظرة التقدمية الاغترابية وإهمال التراث العربي والتاريخ الحضاري العربي والافتقار إلى النظرة العلمية والمفهوم الديمقراطي في الحكم والنظام والسياسة في انعدام السياق التاريخي شكل ظاهرة تخلف وانقطاع حضاري تعجز عن استيعاب مفهوم الثورة والإيديولوجيا الثورية من منطلق عربي، وتفتقر إلى وعي عقلاني علماني في كيفية نقل الصيغ والمفاهيم والحلول التي يجب أن تكون الأمة تتخلف كثيراً عن الميلاد النهضوي الأوروبي الحديث بسبب افتقادها لمفهوم الأصالة تستسلم إلى النظرة التجريدية إلى التاريخ وإلى المرحلة التاريخية والسياق الحضاري المشخص الحي.‏
لقد جابه البعث هذا الواقع الاجتماعي والسياسي والإيديولوجي بين وعي زائف ونهوض فكري يرنو إلى وعي علمي شمولي للتناقض بين حقيقة الأمة العربية وواقعها وكان لابد من ربط عضوي بين جدل وحدة المتناقضات وبين وحدة الأهداف التي طرحها في الوحدة والحرية والاشتراكية لتحقيق مفهوم هام في وحدة الأصالة والمعاصرة تنبثق من وعي قومي للتراث العربي والتراث الثوري العالمي بعيدة عن السلفية الجامدة والتقدمية المقلدة للغرب وترفض الأممية التي سوف تكرس تجزئة الأمة العربية.‏
هكذا كانت مطالع العقد الرابع من القرن العشرين تقدم نضوجاً للمفاهيم العلمية والثورية الشمولية استطاع البعث أن يستوعبها بوعيه للدور التاريخي للجماهير العربية الكادحة في نضالها المرير ضد كل أشكال الاستعمار وتمكن من امتلاك منهج فكري يحقق وحدة العلم والثورة يتجاوز المناهج الأكاديمية النظرية والمناهج الفلسفية الأخلاقية والتجريبية، والذرائعية بهذا الاغتناء استطاع أن يتقدم الفكر القومي غنياً، تتعمق به ومن خلاله التجربة النضالية لحركة القومية العربية بعقل ثوري علماني يمهد لاستراتيجيا انبعاثية قومية ترسم نقاط انطلاق نحو تحقيق الأهداف القومية.‏
القومية العربية أمام التحديات:‏
تعريف القومية أو القول ما هي القومية، خطأ غير مقبول لأن القومية ليست فكرة أو فلسفة، أو نظرية تحتاج إلى برهنة ـ هي وجود اجتماعي وتاريخي ناتج من تفاعل جميع الروابط التي تجمع بين أفراد الأمة الواحدة حتى لا تسف القومية عندنا إلى المعرفة الذهنية والبحث الكلامي فتفقد بذلك قوة العصب وحرارة العاطفة، تعلمنا من أساتذتنا الأول أنها حب قبل كل شيء، هي العاطفة التي تربط الفرد بأهل بيته وليست هي كالديمقراطية أو الاشتراكية فيجوز لنا أن نقول أننا اشتراكيون أو غير اشتراكيين أو ديمقراطيون أو غير ديمقراطيين، هي لا تخضع لتعريف ولا يستفتى عليها، كل تفسير أو تعريف لا ينبعث من صميم قوميتنا، انبعاث الغرسة من الأرض والسنبلة من القمحة والوليد من رحم أمه يكون تعريفاً ضالاً، فأي قول في القومية غير هذا خيانة للأمة وإنهاك لقواها وزجها في أتون التبعية وتقطيعاً لأوصال الحياة العربية وحزاً في شرايينها وهدماً لطوابق التاريخ الحضاري الذي نسجه الزمن في دماء أجيال، فلا يجوز الإيغال في غابة التعريف الموحشة بين وحوش ضارية متوحشة نتوهم أن الواقع ساكن جامد سكون جمود أشجار الغابة، وإلا يصبح التفكير بالقومية تفكيراً مجرداً يحط علينا أوهام التاريخ وعبثية العابثين من شعوبيين وحاقدين على الإسلام وحملته من أبناء العروبة.‏
في هذا المعترك العقائدي الذي ينساب في الروح انسياب المياه العذبة كانت مرحلتي الأربعينات والخمسينات صاخبة حادة عنيفة يقاتل القومي على صعد ذات درجات متعددة في مواجهة الغرب ومشروعه الصهيوني الاستيطاني وما يحمله من زيف للمفاهيم وعبثية في التاريخ وتلوين في الأفكار، ناهيك عن طرح الوحدة العربية لأمة أنهكتها الحركات الشعوبية وأتعبتها الأحقاد الوافدة الغربية وكل من يأتي يركب موجة العروبة وعياً كاذباً يرتجل الوطنية ويحبو نحو القومية، نريد الحرية والتحرر وشعرنا بهناءة الديمقراطية لأول مرة في تاريخنا مهما تنوعت الأفكار أو الآراء منا ومن الآخرين كانت ديمقراطية يجب أن تترسخ وتتمدد في كل الأقطار العربية إذ أننا نشعر اليوم لو أن البعث طرح الحرية والديمقراطية أولاً، لأن الوحدة لا يشيد الديكتاتوريون وزعماء العشائر بناءها ولا يعملون على إنجاح الفكر الوحدوي، هم قبلوا التبعية التي وطدت لهم أنظمتهم وسيّجت عليهم بسياج القهر والظلم، حتى لو ابتعدوا عن شعوبهم.‏
كان التحدي صعباً وقاسياً من الماركسيين، هم من أول التحديات التي واجهت عقيدة القومية العربية، فهي تيار فكري انبثق عنه أحزاب شيوعية على طول الساحة العربية من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق جاؤوا بقوة دولة عظمى هي الاتحاد السوفياتي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى تمتلك القوة المادية والتأثير السياسي والمعنوي على صعيد العالم كله، بل كانت بعد الحرب الثانية ثاني أقوى قوتين في العالم، في حين كان البعث والقوميون العرب قد خرجوا من ظلمات القهر والاستبداد العثماني ورغم ذلك انتصرنا نحن وانهزموا هم عندما بدأ تراجعهم الفكري وضعف صمودهم في المجال الفكري رغم ضعفنا في كثير من الأحيان أمام الأسئلة الصعبة لأن نظرية البعث لم تكن قد اكتملت ووضعنا الثقافي يحبو، ينمو لا أقول ببطء إنما يمتلك مفاصل القوة التي هي الوجود القومي فوق الأرض القومية.‏
كانت تلقى الأسئلة بروح المادة والفعل الاقتصادي التي يعيشها الإنسان الذي يبدأ تكوينه نتاج انعكاس للظروف المادية والاقتصادية وإن الإنسان في سلوكه وتفكيره ونمط حياته ومعاشه وضميره وميوله تتكوّم كلها كومة مادية صرفة فهو نتاج هذا التكويم الاقتصادي المكوِّن له تذوب كل القيم والأخلاق والضمير والخير والشر والمثل في أتون المادة والتكوين الاقتصادي، ولم يعترف الماركسيون بما يحمله الإنسان من جوانب روحية وفكرية وجنوح نحو المثل العليا وتكوين جانب ذاتي ينبع من قيم تميزه عن الحيوانات الأخرى. ‏
كنا نجابه المواجهات الفكرية في الشارع وفي المدرسة كثيراً ما تتمحور الأسئلة حول فكرة القومية البورجوازية، أو طرح ماذا بعد توحيد العرب ووحدة العرب، ماذا بعد القومية هل هي لمرحلة توحيد العرب وقد تزول في النهاية إما بالوحدة العربية، كانوا يرون أنها مستحيلة لكن زوال البورجوازية الحتمي هو الذي ينهي الفكر القومي، ويتصورون في التحليل نفسه أنها تقول الماركسية بزوال الدولة.‏
لكن لماذا فشلت الماركسية في الوطن العربي؟ هل صمود البعثيين كان عاملاً هاماً وكافياً لإفشال التحدي الماركسي للقومية العربية؟ كما أرى كان سلوك الأحزاب الشيوعية العربية قدساهم إلى حد كبير في تكوين قاعدة الهزيمة اتضح الأمر جلياً منذ اعتراف الاتحاد السوفياتي بالكيان الصهيوني وذهب الماركسيون إلى أبعد من ذلك وهم يتخلون عن الواقع العربي ناهيك أن موسكو شكلت مركزوية ماركسية ارتبطت بها الأحزاب الماركسية العربية، وهذا سجل اتهاماً خطيراً في مقولة الارتباط بالأجنبي ولم يسعفهم تحليلهم الخاص لمفاهيم ومصطلحات الجدل والديالكتيك الذي تناقض مع مصلحة الأمة العربية في وحدتها وهم يتخيلون واقعاً يصلح لتطبيق الماركسية.‏
لقد استفاد البعث رغم ذلك من هذا التحدي وهذا الصراع الفكري الإيديولوجي، فقد أغنت النقاشات والسجالات الفكرية الحزب في مضمونه الاشتراكي وانتبه القوميون إلى الحالة الاجتماعية وفكرة العدالة الاجتماعية في التاريخ العربي وما في تراثنا من نوازع إنسانية عندما نبه الماركسيون إلى الحركات الاجتماعية كالحركة القرمطية والزنجية مع أننا ندرك جميعاً أنها نتاج تفاعل طبيعي يحصل بين النظريات عندما تتفاعل وتتنافس دون أن تقلل من شأن البعث أو التقليل من حيويته القومية المتجذرة في ذهن الإنسان العربي ونقلها الحزب إلى مبادئه في دستوره في المؤتمر التأسيسي الأول نقلاً حياً.‏
يبقى أن نشير إلى تحدي خطير في حياة الحزب النضالية، واقع التجزئة الذي خلفته جملة من الظروف الداخلية والخارجية.‏
لقد أسلم العرب القيادة والرياسة إلى قوى أجنبية غير عربية ولعب الأتراك منذ أن جاء بهم المعتصم إلى بغداد يستعين بهم على أهله العرب ثم بنى لهم مدينة "سامراء" ليخفف من وطأتهم، منذ ذلك الزمن خرج العرب من التاريخ والتقوا في المحافظة على دينهم ولغتهم مقتنعين أن لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى في حين لم يؤمن غير العرب بما آمنوا به في هذه العدالة والمساواة فتعرضوا للبطش والتنكيل، وفي تاريخنا المعاصر، برزت الدولة القطرية كنتاج طبيعي لتاريخ منهك وشعب مضطهد ومتخلف، هذه الدولة سيطرت عليها النزعة القطرية الإقليمية باسم الوطنية عندما أصبح لها أجهزتها السياسية والإدارية وحدودها المرسومة المعترف بها.‏
حتى هذا التاريخ على طول نصف قرن لم تثبت الدولة القطرية قدرتها على حماية نفسها، بل تمكنت الأنظمة من قهر شعوبها وما زالت تفشل في المجابهة الخارجية، في حين راحت تهرول وراء الاستسلام والتطبيع مع الصهيونية ويروق لها رؤية الدم الفلسطيني في شوارع المدن العربية، وجابه البعث التحدي نفسه عندما تحالفت كل القوى الرجعية والسلفوية وهي ترتمي في أحضان الأنظمة في وجه تمدد البعث كما واجه العدو الخارجي المتمثل بالغزو الصهيوني والمشروع الصهيوني الاستيطاني، فإلى أي مدى تتمكن الدولة القطرية على المجابهة؟ كان الجواب أن خطر البعث أشد عليها من هذا الغزو الخارجي، فالصهيونية كفلت لهم أنظمتهم في حين البعث والوحدة القومية العربية لا تعترف بالأنظمة الإقليمية ولا بالحدود القطرية والرد الطبيعي والحتمي قوة الأمة العربية تكمن في وحدتها.‏
ولم تكن الصهيونية وحدها ولا الأنظمة الرجعية المستديمة فالأمة العربية ما زالت تتعرض لخطر التآكل في الأطراف والاقتطاع من جميع الدول المجاورة التي تسخر بالعرب وهي تقطع وتضم أخصب البقاع والأراضي ومصادر المياه، وهي ما زالت هذه الدول المجاورة عامل تهديد لأمن الوطن العربي، والدولة القطرية يستحيل عليها حماية حدودها أو استرداد الأجزاء المقتطعة لا بوسائل السلم ولا بوسائل الحرب وهذه أثبتت صحة نظرية البعث في أن قضية الأمن متلازمة مع قضية الخروج من التجزئة إلى الوحدة ومن الإقليم إلى الوطن الكبير ومن القوة الإقليمية إلى التضامن العربي الأوسع الذي طرحه الحزب منذ العقد السابع من القرن العشرين.‏
المؤتمر القومي السادس:‏
يتبين في ضوء ما سبق، أن القومية هي أحد المحركات الكبرى في عالمنا المعاصر والتحدي الذي جابهه البعث منذ بداياته وجد أهمية كبرى في صوغ نظرية تؤكد معنى الوجود التاريخي للأمة العربية التي جسّدها البعث في مؤتمره التأسيسي الأوّل ويكشف لأول مرة عن جدلية التجزئة وآليتها وأن يعمق النظرة إلى جدلية الوحدة، وأن مرور البعث فيما تتعرض له الأمة العربية من المحن من هزيمة /1948/ إلى الأحكام الديكتاتورية إلى تجربة الوحدة فالانفصال كلها تمرُّ ضمن مخطط تفتيتي عنصري طائفي عشائري، ناهيك عما هو داخل صفوف البعث منذ وقت مبكر وانعكاسات الوحدة والانفصال والمواقف المتشنجة لدى كثير من الأعضاء تترسخ انقسامات وتوترات كادت أن تصيب البعث بالشلل والتهاوي.‏
وفي تشرين الأول من عام /1963/ بعيد ثورتي الثامن من شباط والثامن من آذار ومن العام نفسه انعقد المؤتمر السادس لتقييم مرحلة طويلة في نضال البعث منذ البدايات وحتى تسلمه السلطة وليصوغ نظريته على ضوء المعارك العنيفة بين الجماهير وبين أعدائها، ينطلق من منهج ثوري جديد، فاللغة والتاريخ والدين وغيرها من العوامل والعناصر، لا يمكن أن تؤخذ بشكل مفكك ومجرد عن البنية الحية المتطورة لتجربة الأمة عبر العصور المختلفة، المهم هو المعنى الذي نستخرجه من كل ذلك في مرحلتنا الحاضرة مرحلة انبعاث وخلق المستقبل العربي.‏
فالأعضاء في المؤتمر درسوا الراهن العربي القومي من خلال هذه المعطيات الأيديولوجية يؤكدون على حركة القومية العربية حركة بعث وتجديد ترمي إلى خلق الأمة العربية خلقاً جديداً بإفراغها في مصهر العروبة المحصنة وتنقيتها مما علق بها من اوضار وأدران لتتجلى مواهبها وخصائصها الخلقية الكامنة ولتساهم في استكمال بناء المدينة والحضارة كما يتطلبه العصر الحاضر، ولا بأس أن يكون الاندفاع الفكري والعقائدي في المؤتمر نحو هدف المحافظة على كياننا والدفاع عن مقدراتنا ومقدساتنا أن نقابل القوة بقوة مثلها ونقارع السلاح بسلاح من نوعه، لا لنستعمل هذه القوة وهذا السلاح للاعتداء على غيرنا بل لنصد الغير من الاعتداء علينا.‏
نحن نعود فنطرح على أنفسنا أي أسلوب وأية أخلاقية نتوخى سلوكها والتأكيد عليها لتحقيق هذه المبادئ؟ أجابت مقدمة بعض المنطلقات: "إن حزبنا إذا لم يتسلح بأخلاقية متينة فإنه ينقلب من حزب ثوري وحركة تاريخية إلى عصابة سرعان ما يدب التناقض فيها وتتضارب المصالح وتصبح حرباً على بعضها وتتحطم كالزجاجة تفوح منها عفونة المصالح الشخصية والأنانيات الضيقة، إن أخلاقية النضال للحقيقة هما الدرع الذي يحمي حزبنا ويجنبه التصدع والفناء".‏
فما هي المبادئ التي أقرها المؤتمر؟ تحدثت في العلمية والثورية: "إن إيديولوجيتنا القومية الاشتراكية هي إيديولوجيا علمية والعقل العلمي بطبيعته ينفتح دائماً على الواقع ويتغذى من كل التجارب ويرفض الأطر المسبقة."فسرّ العملية الثورية من خلال رفض الآراء الإصلاحية الانتهازية التي تروج لتدرج بطيء طويل للتغيير الاجتماعي، وصاغ الرفاق الأعضاء مفهوم الوحدة العربية والحرية والاشتراكية، فالبعث كان أول حركة في الوطن العربي تحسّست فعلاً جوهر القضية العربية ووضعتها في سياقها التاريخي من خلال إعطائها تقدماً ورجحاناً معنوياً على الاشتراكية والحرية، وفي الظروف الصعبة الراهنة التي يحياها العرب كيف ينجح البعث في تحقيق الوحدة؟ إن الأسئلة مصيرية والأجوبة مخيفة ومرعبة، أوربا الناهضة كلها عملت على إنجاح المشروع الاستيطاني الصهيوني، وامبراطوريتا أمريكا والاتحاد السوفياتي اعترفتا فوراً بقيام دولة الكيان الصهيوني، وتشريد شعب فلسطين، فرنسا عملت على بناء المشروع النووي منذ الخمسينات في دولة الكيان وروسيا اليوم تبني المفاعيل النووية في إيران، والعراق ممنوع عليه صناعة سكاكين المطابخ فالعراق يهدد الجيران وسوريا محال أن تستورد حتى السلاح الدفاعي والجولان ممنوع عليها التلفظ به، وإسرائيل وإيران تحفظان أمن الجيران أي جريمة هذه الامبراطوريات الكبرى تقترفها بحق العرب؟...‏
لست في معرض التحليل السياسي وتوصيف الراهن العربي، المهدوف في هذه الدراسة معنى وأبعاد التحدي الذي يواجه حزب البعث العربي الاشتراكي في مسيرته النضالية خلال نصف قرن ونيف، كأني أشير إلى السلبيات بقدر الإشارة إلى الإيجابيات وكل حركة ثورية في تاريخ البشرية تعرضت لما تتعرض له مسيرة البعث.‏
نحن أمام المؤتمر القومي السادس دون النظر إليه بشفافية، من دون رؤية عاطفية والحق يقال إنه حصل في داخله نوع من التحدي عندما شرع الأعضاء يقيّمون المرحلة السابقة وفيها ديمقراطية عقد الخمسينات وعهدي الوحدة والانفصال وما ألقته الوحدة بين سوريا ومصر من ضلال كثيفة كانت بدايات تبعثر نضالي مؤلم، حاول الأعضاء لملمة الجراح بين 28/9/61 و8/3/1963 هو ما عرف بمرحلة الانفصال.‏
avatar
عزالدين بن حسين القوطالي
مساعد المدير
مساعد المدير

ذكر
عدد الرسائل : 268
تاريخ التسجيل : 16/12/2006

http://yahoo.fr

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى