المسألة الفكرية في حزب البعث العربي الإشتراكي

اذهب الى الأسفل

موضوع مثبت المسألة الفكرية في حزب البعث العربي الإشتراكي

مُساهمة من طرف عزالدين بن حسين القوطالي في الخميس 6 نوفمبر 2008 - 14:31

المسألة الفكرية ووعي المهمة التاريخية

في حزب البعث العربي الإشتراكي



الرفيق الدكتور إلياس فرح



للحركات التاريخية التي تلبي حاجات مرحلة كاملة من حياة أمة ما علامة فارقة تكاد تشكل قانونا عاما ألا وهي بروز المسألة الفكرية .
فالحركة التاريخية تولد من معاناة فكرية عميقة وأصيلة تمتد وتشتد على مدى تطورها وحسب إيقاع نضالها والتحديات التي تواجهها ؛ والبعد الفكري الذي يميز الحركة التاريخية يشكل رقيبا عليها ومقياسا لدرجة إنفصالها عن تناقضات واقعها وإرتقائها الدائم الى مستوى التعبير الصادق عن حاجات المرحلة التاريخية لأن فكر الحركة التاريخية طاقة ثورية حية ومحرك تاريخي يتجاوز المعاني التقليدية النظرية للفكر كما أن المعاناة الفكرية التي نشأ منها هي جزء من معاناة شاملة للوجود القومي بكل أبعاده الإنسانية والحضارية لذلك فهو بقدر ما يشكل تجسيدا لمنطق المرحلة التاريخية يمثل بدوره ضمير الأمة ويعلن عن إرادتها وعن مصالح جماهيرها الكادحة المناضلة .ففي الفكر التاريخي يتحد الزمن بالعمل والدليل النظري بالممارسة النضالية وتلتقي حدود الإنتاج بالإبداع والحرية بالضرورة ويتكامل عالم القوة وعالم القيم وتتواصل أبعاد الزمن التاريخي والحضاري ويستكمل الوجود الإنساني شروط تجدده وإنسجامه مع حركة التاريخ .
وهكذا فإن المسألة الفكرية في الحركة التاريخية تشكل معيارا لتمييزها عن الحركات السياسية التقليدية التي تنحصر أهدافها وآفاق نشاطها في إطار ضيق وآني وعابر من الحاجات والمصالح والمطامح لا تسكنه البصيرة التاريخية .. كما أنها تشكل بحكم إمتزاجها بآلام وهموم الملايين من البشر وبمعاناة الأمة لتناقضات واقعها وبأزمة الإنقطاع الحضاري مع ماضيها عاملا في تمييز الحركات التاريخية الأصيلة عن الحركات التي تحول فكرها الى تطبيق آلي لقوالب نظرية معزولة عن حركة الواقع الحي ؛ لأنها لم تنشأ بالأساس من معاناة داخلية ولا من تمثل لمعطيات المرحلة مستوعب لأبعادها التاريخية .
وحركة البعث هي من هذا النوع من الحركات التاريخية والتي تشكل المسألة الفكرية فيها قاعدة إنطلاقها ودليل عملها وأهداف مسيرتها فللمسألة الفكرية في البعث موقع خاص متميز ؛ فالبعث بدأ إنطلاقة فكرية جديدة في الوطن العربي ومسيرته الثورية بدأت من حيث إنتهت الحركات الأخرى التي عاصرتها وسبقتها لأنها إنطلقت من وعي لأزمة الإيديولوجيات التي عجزت عن إستيعاب معنى النهضة العربية المعاصرة ومن شعور واضح بالفراغ التنظيمي والنضالي الذي بات يهدد تلك لحركات ويكاد يلغي مبرر وجودها بالمقياس التاريخي الذي تطرحه المرحلة والذي جاء البعث يعبر عنه على صعيدي الفكر والممارسة .
وقد أكد الرفيق القائد المؤسس في حديثه مع المرحوم الشاعر بدر شاكر السياب عام 1958 على أن ( البعث حركة ثورية للفكر فيها موقع خاص متميز) وعلى أن البعث قد إنطلق من التأكيد على أهمية الفكر كعامل محرك للتاريخ وأن المسألة الفكرية في البعث تطرح قبل كل شيء مسألة نشوء الحركة الثورية التي تسير مع فكرتها وفقا للإيقاع النضالي للمرحلة التاريخية وتحدياتها .
وعلى هذا الأساس ؛ فإننا نستطيع أن نتبين موقع المسألة الفكرية في البعث من خلال ما تطرحه هذه المسألة نفسها من قضايا رئيسية يمكن أن نوجزها في النقاط الأساسية التالية :
-1- مسألة الإطار الفلسفي لنظرية البعث والموقع الذي تحتله الإيديولوجية العربية الثورية بين التيارات والمذاهب الفلسفية المعاصرة .
-2- مسألة منهج الفكر ونظرية المعرفة ووحدة الفكر والممارسة وموقع منهج فكر البعث بين المناهج الفكرية المعروفة في الإيديولوجيات المتداولة في عالمنا الراهن .
-3- قضية المنظور الحضاري لفكر البعث أي السياق التاريخي لنشأته والثقافة التي نبع منها والحاجات التي يعبر عنها .
-4- مسألة فهم المرحلة التاريخية ووعي علاقة الزمن بالمجتمعات وقوانين حركة التطور الإجتماعي .
-5- مسألة البعد الخلقي للفكر .
-6- مسألة العلاقة بين السياسة والثقافة في فكر البعث .
-7- مسألة التحصين الفكري أمام الغزو الثقافي الإمبريالي وأمام عمليات التشويه والضياع لفكري .
-8- مسألة المعادلات الفكرية في الأصالة والحداثة – التراث والمعاصرة – الإستقلالية والإنتظام في الحركة الهامة للفكر الإشتراكية والحرية .. القومية والإنسانية .. الديمقراطية والمركزية .
-9- مسألة عمر الأفكار وحياتها وازمانها وتطورها وعجزها .
-10- المفاهيم الجديدة لفكر البعث : القومية – الحرية – الإشتراكية – الدين – الثقافة – الحضارة – الإنسان .
هكذا تشكل المسألة الفكرية في البعث جوهره المتميز والأصيل الذي إستبق به المرحلة وأستوعب طبيعتها ليس على صعيد الوطن لعربي فحسب بل وعلى مستوى القارات الثلاث التي شهدت في ثلث القرن الأخير بدء يقظة شاملة وإنبعاث بعد مرحلة طويلة من الإستعمار والتخلف والتجزئة والإنقطاع الحضاري .
فالمسألة الفكرية في البعث أخذت معنى الحوار الحضاري بين الأمة العربية والعصر . ولم تكن مجرد إنضاج لتصور علمي ثوري للمرحلة التاريخية الراهنة . لذلك إمتزجت من خلال نصوص ( في سبيل البعث ) معاناة الأمة العربية بهموم العصر وجاءت تلك النصوص معبرة عن ملامح ولادة جديدة لهذه الأمة ولادة حضارية مستوعبة لمعالم التحول الحاسم في حياة العالم ككل .
فإذا إستعرضنا تاريخ السنوات التي إنقضت على تأسيس حزب البعث العربي الإشتراكي إستطعنا أن نتبين مسيرة فكرية نضالية ذات أفق يتجاوز إطار تحليل ظواهر المجتمع العربي وعلاج متناقضاته الراهنة الى تجديد الصلة الحية بتراثنا القومي الفكري والنضالي والى بعث النزوع الحضاري في حياة أمتنا والتفاعل مع الفكر الثوري العالمي على أساس الحوار العميق المتجاوز للتبعية والإغتراب والمعزز للأصالة .
لذلك وجدنا ( في سبيل البعث ) تدشينا لمرحلة جديدة ومستوى من الإلتحام بين الفكر والنضال وشق طريق وإضاءة لسبل الإنتقال من الإنحطاط الى الإنبعاث الحضاري الشامل . كما وجدنا ( نصوصه) تكثيفا لأجوبة جديدة على الأسئلة التي تطرحها حاجات المخاض الذي تمر به الأمة .
وما وقفنا عليه في تلك النصوص من مفاهيم ومبادئ وخط إستراتيجي ونظرة تنظيمية لم تكن سوى نتائج لمقدمة أساسية ولنقطة إنطلاق بدأت مع وعي اللحظة التاريخية والإستعداد لتحمل مسؤوليات ومتطلبات هذا الوعي .
فالبنى الفكرية النظرية في نصوص (في سبيل البعث) هي ثمرة لهذا الموقف التاريخي المصمم ولإرادة الإنبعاث لذلك كانت أشبه بمحاولة للغوص في داخل حركة التاريخ الحي للتعبير عن قوانينها ودليلا لبعث الأمة العربية وإرتفاعا الى مستوى جديد من التفاعل مع روح العصر .
ففي نصوص (في سبيل البعث) تكمن قوة روحية وقوة خلقية الى جانب القوة الفكرية لأنها إنبعثت من موقف تاريخي وقراءة هذه النصوص قراءة حية تتطلب حدا كافيا من التوتر الفكري والنفسي ومن التجرد والإستعداد للمشاركة في تحمل تبعات النضال ومشقة الطريق الذي يؤدي الى إنبعاث الأمة بعد إنقطاع حضاري دام سبعة قرون فذلك شرط ضروري حتى يستطيع القارئ المناضل الوصول الى المنابع الفكرية والخلقية والروحية العميقة التي إنبثقت عنها نصوص ( في سبيل البعث ) .
لقد قدمت هذه النصوص أساسا فكريا وخلقيا لقيام حركة تاريخية كما إنطوت على دروس بليغة لتجارب العالم الثالث بوجه عام خلاصتها : أن التجارب النضالية في هذا الجزء المنبعث من العالم لا تستطيع أن تضمن لنفسها النجاح العميق والأكيد من دون فكر علمي ثوري أصيل وحديث فهو السلاح الأفعل والأقوى في معاركها المصيرية وهو فاعل وقوي طالما كان هذا الفكر قوة تاريخية معبرة عن إنطلاقة الأمة ونضال جماهيرها وشخصيتها الحضارية . فبمقدار إهتمامها بهذا الفكر وتقديرها لأهميته تستطيع التجارب النضالية في عالم القارات الثلاث أن تضمن إرساء مسيرتها على أساس صلب من البصيرة التاريخية .
وقد وضعت نصوص (في سبيل البعث) أمام المناضلين الذين يتصدرون لأعلى المهام التاريخية الإنبعاثية في المرحلة الراهنة الشروط المطلوبة للتعامل الحي مع الفكر الثوري الإنبعاثي حتى يتمكن من التخلص من أمراض الجمود والتحجر .والإنغلاق والصنمية والتعالي على التجزئة والفقر والفشل وغيرها من أمراض الإيديولوجيات المعاصرة . فقد هذه النصوص على قوانين الحياة نفسها في التعامل مع الفكر وقدمت فكرة البعث ككائن حي يولد ولادة بسيطة متواضعة إلاّ أنها طبيعية ؛ كما أكدت تلك النصوص على أن الشروط الصحية لنمو هذا الكائن تتركز في النضال والتفاعل والحوار والنقد والنقد الذاتي وفي جعل الفكرة أخلاقية في منطقها ومنطلقها قائمة بإستمرار على الإلتزام بالحقيقة .
فشرط الفكر المبدع الحي أن يبقى متصلا بينابيع التجدد والإبداع وأن يبتعد عن الأمراض التي أصبيت بها الأفكار التي فقدت حيويتها في هذا العصر أمراض النزعة التجريدية والبيروقراطية والذرائعية .
وإذا كان في الدروس الغزيرة الفائدة التي تقدمها تلك النصوص ما يغري بقراءات متعددة ومستمرة فإن فيها أيضا من القضايا ما يتحدى الباحث ويحرضه لجولات ومحاولات أخرى لتوضيح أبعادها وسير مضامينها كقضية دور الفكر كعامل محرك للتاريخ وقضية علاقة الفكر بالممارسة وعلاقة الفكر بالعصر وأزمة الفكر المعاصر وقضايا أخرى كمسألة عمر الأفكار ومراحل نشأنتها ونموها وشيخوختها وقضايا التراث والمعاصرة وغيرها من الثنائيات التي تناولها فكر البعث بمنهج جدلي وأصبح يتعامل معها كأطراف متكاملة في معادلة جدلية واحدة .
فالميزة التي تكاد تشكل سر قوة فكر البعث إنما تكمن في تجاوزه للمذهبية الفلسفية من جهة ولرد الفعل الوضعي عليها من جهة أخرى وبالتالي إنضاجه لمنهج فكر علمي جدلي تاريخي ولمنظور حضاري جديد جعلا من الإيديولوجية العربية الثورية نسقا منفتحا من التصورات الملتحمة بالتجربة النضالية؛ نسقا أصيلا له جذور تاريخية وحضارية مؤمنة بالحوار الحضاري كعامل أساس في التجدد والتقدم .
لذلك فإن ما إتسمت به نصوص ( في سبيل البعث) من ميزة التحرر من المنظور الغربي قد بقيت ضمن إطار الإستعداد لمتابعة الحوار من مواقع جديدة ولم تدفع الى الإنكماش ورد الفعل على الثقافات وتيارات الفكر المعاصرة في الغرب وبذلك أكدت هذه النصوص المعنى الحضاري للإستقلالية .
إن هذه المبادئ والمنطلقات والدروس التي ينطوي عليها كتاب في سبيل البعث تشكل منارة للمناضلين من أجل تحرير الأرض وتحقيق الإشتراكية وبناء الإنسان العربي وبعث الأمة العربية فكلما إرتفعوا الى مستوى التعبير عنها وتجسيدها كلما إقتربوا من تحقيق المهمة التاريخية التي تتحدى هذا الجيل وتضع آمال الأمة فيه والخطوة الأولى نحوها إنما تكمن في وعيها .

بحث منشور بمجلة آفاق عربية
السنة الخامسة العدد 08 نيسان 1980 صفحة 24-26
avatar
عزالدين بن حسين القوطالي
مساعد المدير
مساعد المدير

ذكر
عدد الرسائل : 268
تاريخ التسجيل : 16/12/2006

http://yahoo.fr

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى