إشتراكية البعث ومنهاجه الإقتصادي : الجزء الأول

اذهب الى الأسفل

موضوع مثبت إشتراكية البعث ومنهاجه الإقتصادي : الجزء الأول

مُساهمة من طرف عزالدين بن حسين القوطالي في الإثنين 28 يناير 2008 - 13:33

إشتراكية البعث ومنهاجه الإقتصادي
الجزء الأول



البعث والطبقة العاملة




الطبقة العاملة طليعة الكفاح العربي


أحمد ميشيل عفلق


أيها الإخوة(1)
أحمد الله ان حقق لي حلما كان يراودني منذ الصبا، وهو ان أرى هذه الارض العربية الكريمة، ان ارى هذا الشطر الغالي من وطننا الأكبر.
هذا الحلم نشأ عندي ايام الدراسة ايام جمعتنا الدراسة من كل قطر عربي وخاصة من اقطار المغرب العربي فتعرفت منذ سنين طويلة الى النفسية النضالية القوية التي يتصف بها شباب المغرب العربي عامة. وكنت منذ ذلك الحين لا يخالجني شك في ان المغرب العربي يعاني تجربة انسانية فريدة من نوعها غنية بالمعاني، وانه سيقدم الى العروبة والى الانسانية ثمار هذه التجربة، فيغني بها النهضة العربية الحديثة ويغني بها الثرات الانساني العام.
كنا طلابا نتداول في شؤون وطننا وفي مستقبلنا، كان يساورنا قلق وطموح بأن نسهم في الارتفاع بمستوى القضية العربية، وفي اخراجها من ذلك الطور الابتدائي الغامض المعالم الفارغ المحتوى، الذي طبعها به رجال طبقة وجيهة تصدت لزعامة النضال ضد الاجنبي قبل عشرات من السنين، ولم تكن هي المهيأة فعلا لان تمثل روح امتنا وان تمثل طموح بيئتنا وان ترسم الخطوط لمستقبلنا العظيم.
فكان قلق الشباب اذ ذاك الا يكتفوا بذلك المستوى المنخفض الذي يترك معظم امكانات الشعب العربي مهملة ومهدرة لانه لم يكن ثمة تجاوب مخلص بين طبقة الزعماء وبين جماهير الشعب.
فظهر لنا اول خيط من خيوط النور، من خيوط الخلاص، ظهر لنا ان الخلاص لن يكون الا على يد الشعب، على يد الكثرة الساحقة من ابناء شعبنا، على يد الكثرة الكادحة والمظلومة المستغلة، ليس لأنها اكثرية فحسب بل لأنها تعاني الظلم والاستغلال وفقدان الحرية وجرح الكرامة في جميع النواحي: الانسانية والقومية. اذن فظروفها واوضاعها وقوتها قد هيأتها لان تكون هي محرك التاريخ في هذه المرحلة، لان تكون هي المنقذة للأمة، لان تكون طليعة الامة المناضلة وصورتها الصادقة.
فلم يأت تفكيرنا الاشتراكي من الكتب، من الأفكار المجردة، من النزعة الانسانية العامة، النابعة من مجرد شعور بالشفقة، وانما أتى من صميم الحاجة -اتى بدافع الحاجة الحيوية- لننقذ امتنا من الفناء، لان معركة الامة العربية مع مستعمريها واعدائها كانت معركة بقاء او فناء. فكان التفكير الاشتراكي وكان اكتشاف دور الطبقة العاملة العربية في هذه المرحلة التاريخية من حياتنا بدافع الدفاع عن البقاء.
لطالما تأملنا وشعرنا بالخجل، وشعرنا بالامتعاض عندما كانت القيادة التقليدية القديمة تسبغ على قوميتنا صفاتها هي، وروحها هي:

صفات الطبقة المترفة وروح الطبقة الشائخة الهرمة، فكانت القومية العربية والكفاح القومي في ذلك الحين على ايدي اولئك الزعماء الذين كانو يمثلون عصرا قد مضى ويفقدون قوة التأثير وقوة الجاذبية لجماهير الشعب ولجمهور الشباب، وكانت القضية القومية التي هي قضية حياة او موت، في مستوى متخلف لا قيمة للفكر فيه ولا صلة له بالعصر الذي نعيش فيه عدا عن مظهره المنفر، مظهر القومية المتغطرسة، القومية السلبية، التي لا تشعر بنفسها الا اذا خاصمت غيرها.
وكنا نشعر بأن هذا ليس حقيقة قضيتنا وليس حقيقة امتنا. وكان لا بد ان ننتقل الى مستوى يتناسب مع العصر الذي نعيش فيه، مع امكانيات شعبنا العظيم وشبابنا المنفتح للنور.
فكانت محاولة اسهم فيها جيل بكامله لا ينحصر في قطر من الاقطار العربية وانما هو موجود في كل قطر. هذه المحاولة أسهم فيها الشباب المثقف واسهمت فيها طبقة العمال الكادحة المناضلة، واذا بقضيتنا تخرج من سجن الغموض والفراغ وتمتلىء بالحياة، بالواقع الحي، ويدخلها الوضوح وبالتالي تستطيع ان تتحقق وان تنتصر.

ايها الاخوة،

ان القضية القومية كل لا يتجزاء فهي حياة الشعب المادية وهي حياته الروحية، هي مطالبه الاقتصادية العادلة ومطالبه الاجتماعية العادلة، وهي حقوقه ومطالبه القومية المشروعة، هي خبزه ورفاهه وهي استقلال وطنه وسيادته، وهي وحدة وطنه وتوحيده من بعد التمزيق والتجزئة.
فعندما ننظر الى قضية شعبنا بهذا المنظار الشامل الحي الذي لا تعسف فيه ولا اصطناع، لأن المطالب القومية هي حقيقية وواقعية مثل طلب الخبز والعيش، عندما ننظر الى هذا الترابط بين هدف التحرر وهدف العدالة الاجتماعية وهدف الوحدة القومية الشاملة، عندما ننظر الى ذلك كله كأنه اوجه متعددة من شيء واحد، عندما نستطيع ان نوجه نضال الشعب في الطريق السليم المثمر الذي لا يبقي امكانية من امكانيات شعبنا الا ايقظها واستفاد منها. فملء فكرة القومية العربية بالمحتوى الوحدوي الى جانب المحتوى التحرري والاجتماعي هو الذي يفسر الى حد كبير تلك الخطوات التي قطعناها حتى الان في طريقنا الطويل نحو حرية امتنا ونحو بناء مجتمعنا الجديد ونحو بلوغنا المستوى الذي يؤهلنا لتحقيق رسالتنا بين مجموع الأمم.
انكم تعلمون، ولا شك، كيف كان النضال التحرري متقطعا، فاقدا بعض وضوحه، وكيف كانت الوحدة العربية على الاخص فكرة نظرية خيالية تقال دونما ثقة بقدرتها على التحقق، تقال اما بدافع التقليد، او بدافع العاطفة فحسب.
ولكن عندما سُلّمت قضية التحرر القومي، وعندما سلمت قضية الوحدة القومية الى جماهير الشعب العربي وربطت هذه الجماهير بين مطلب التحرر والوحدة وبين كفاحها اليومي من أجل الرزق وبلوغ مستوى كريم من العيش -عندها دخلنا في طور التحقيق، عندها أمكن أن نحقق الانتصارات على الاستعمار، عندها لم تعد الوحدة العربية فكرة خيالية. حدث ذلك كله لاننا سلمنا هذه الأهداف الغالية إلى اصحابها إلى الطبقة الكادحة.
ان مطلب الوحدة العربية ظل زمنا طويلا ضحية الجهل، ضحية الغموض، ضحية الالتباس... وكان يتبناه ويستغله أبعد الناس عن الاخلاص له او الايمان به، فكان حجة وذريعة او كان ستارا لمآرب غير مشروعة. كان الاستعمار أحيانا يختبئ وراء مشاريع للوحدة وكانت الطبقة الاقطاعية تغتصب زورا وبهتانا هذا الشعار لا لتحققه بل لترد به على مطالب الشعب الاجتماعية، لتحارب به الثورة الاجتماعية. فكانت الوحدة في ذلك الحين مشبوهة ومظلمة الى ان دخلت في حياة الجماهير. ولكن يجدر بنا ان ننظر إلى هذه الحقيقة، يجدر بنا بعد ان مررنا بتجارب كثيرة وفضحنا بالتجربة كذب الطبقة الرجعية في تبني الوحدة وان لا وحدة مع الرجعية، يجدر بنا ان ننظر الى حقيقه اخرى، وهي ان لا تقدمية مع التجزئة. فاذا كنا في وقت مضى قد كفرنا بوحدة الرجعيين والاستعماريين، فلم يعد جائزا بعد ان استرد الشعب قضيته واستلمها بكلتا يديه، لم يعد جائزا ان نتخوف من الوحدة او نظن بها الظنون، لاننا بمقدار ما نتفهمها ونقدم عليها لنتبناها ونعجل في سيرها نبعد عنها الاستغلال.
فالوحدة يطلبها كفاح العمال قبل كل شيء -وكفاح العمال يطلب وحدة على نطاق عالمي، فكيف لا يطلبها على نطاق قومي- هذه الوحدة ان دخلها العمال، ان دخلتها الطبقة الشعبية الكادحة يخرج منها كل رجعي وكل مشبوه.
فالقضية قضيتنا فلا يجوز ان نقف منها موقف المتفرج من بعيد لاننا اذا لم نصنعها نحن الشعب، بأيدينا فمن ذا الذي سيصنعها؟
ولقد كانت وحدتنا القومية موضع الهجوم والتآمر الاستعماري والاجنبي عامة منذ زمن طويل. لان الاستعمار يدرك قبل غيره ما هو مفعول الوحدة اذا ما تحققت، وان تحققها نهاية للاستعمار في ارضنا -لا بل نهاية للرجعية وللتخلف ولكل ما هو ميت غير جدير بالحياة- فكانت الهجمات والمؤامرات توضع دوما في طريق الوحدة، ومن أدرى منكم بذلك، انتم ابناء المغرب العربي عامة وابناء المغرب الاقصى خاصة، من ادرى منكم بذلك الانقطاع، بتلك الحواجز الكثيفة التي وضعها الاستعمار بينكم وبين اخوانكم بالمشرق وحتى بينكم وبين اخوانكم في المغرب العربي نفسه.
فالوحدة اذن ليست ترفا نطلبه بعد ان نحصل على المطالب الجوهرية الضرورية، ليست شيئا يأتي في المستقبل، او من نفسه بصورة آلية بعد ان نكون حصلنا على استقلالنا وحريتنا وبعد ان نكون قد حققنا الديمقراطية والعدالة.
الوحدة ايها الاخوة داخلة في كل هذا، وهي شرط اساسي لكي نحقق كل هذا، وهي كالاستقلال وكالعدالة الاجتماعية ومطالب الطبقة الشعبية المشروعة، هي ايضا تحتاج الى معركة قاسية، وتحتاج إلى نضال، إلى انتزاع.
انها لا تأتي من نفسها بل علينا ان نكافح من اجلها في نفس الوقت الذي نكافح فيه من اجل حياة لائقة لشعبنا. لانها هي الواسطة لكي يتحقق الظفر لنضالنا التحرري والاجتماعي، وهي الضمانة ايضا لكي نحافظ على الحرية لوطننا وعلى المكتسبات الشعبية لجماهير شعبنا.
ان المستوى الجديد الذي حاول جيل الشباب العربي في كل قطر ان يرفع اليه القضية العربية في المشرق والمغرب، ويضع هذه القضية في العصر الذي نعيش فيه -أي في عصر المذاهب الاجتماعية، في عصر العقائد، اذ لم يعد جائزا ان تبقى قضية الامة العربية مرتجلة او تبقى اجزاء مفككة لا رابط بينها ولا منطق يجمعها- هو هذه الصيغة الجديدة التي لا نعتبرها صيغة نهائية ولا نعتبرها صيغة كاملة، اذ ان حياتنا يجب ان تتجدد دوما وان تنمو وتتعمق دوما، ولكن على كل حال هي صيغة نقلت النضال العربي من مستوى ضعيف فاتر مفكك الى آخر جديد يتصف بالمنطق والترابط والوضوح ويسمح بالتنظيم. هذا المستوى هو المستوى العقائدي الذي يتيح لقضية امتنا ان تظهر بشكل فكري متناسق.
وهذه الصيغة الجديدة غالبا ما يعبر عنها بالقومية العربية وان كان التعبير لا يزال غامضا وما يزال يتسع لتعاريف شتى، الا ان التيار الشعبي الذي يحرك الجماهير العربية في كل قطر عربي، يفهم ويدرك تماما ما هو المقصود بالقومية العربية، ويدرك انها هي الاشتراكية، يدرك انها هي الديمقراطية، ويدرك انها قومية انسانية تتلافى اخطاء الماضي وتصلح كل ما كان في الماضي سببا للتفرقة داخل امتنا ومجتمعنا.
هذه القومية ليست وقفا على العرب فحسب وانما هي صورة لإنسانية جديدة، أي اننا نؤمن بأن لكل امة في العالم الحق بأن يكون لها شخصيتها الحرة المستقلة. وان يكون هناك انفتاح بين القوميات وان يكون هناك تضامن في الكفاح التقدمي، وان يكون هناك انسانية جديدة تقوم على قوميات تقدمية حرة متضامنة لا استعمار فيها ولا عنصرية ولا تمييز.
ففكرة القومية العربية اذن لا تنحصر بالعرب وانما لها نزوع انساني. وفكرة الرسالة في هذه القومية تربطها بالانسانية عامة وتقيها من التردي في المفاهيم السلبية للقومية -كالمفهوم العنصري والمذهبي وكل تعصب وضيق او شهوة للسيطرة- وتذكرها دوما بأن امامها رسالة انسانية لا يمكن ان تؤدى اذا لم يكن الشعب العربي في الداخل ممارسا لحريته، اذ لا شيء ذا قيمة يمكن ان يصدر عن القسر والضغط والاكراه، فالحرية هي منبع الفضائل وهي التي تميز الشعب الحي، ولذلك فان الديمقراطية التي يكافح العمال في سبيلها ليست مطلبا عماليا فحسب وانما هي مطلب قومي لكل جماهير الشعب العربي، لكي نحفظ لقوميتنا العربية ونهضتنا الحديثة المعنى الانساني الايجابي البعيد عن كل تعصب وكل سلبية والذي يوجد السلام في داخل مجتمعنا ويسهم في ايجاد السلام في العالم: هذا المفهوم الانساني، هذه الملامح الايجابية لقوميتنا يجب ان نحرص عليها كل الحرص، واعود فأقول بأن المغرب العربي عليه مسؤولية تجاه الامة العربية، وهو مطالب بأداء قسم كبير في معركة القومية العربية، خاصة في تجربته الديمقراطية وفي فهمه للديمقراطية وفي كفاحه المرير الطويل من أجل الحرية والديمقراطية، من اجل المساواة الانسانية، من اجل الكرامة الانسانية.
لقد عرف المغرب العربي ما لم يعرفه المشرق العربي، عرف ألما عميقا، اذ ان الاستعمار دخل اليه ليس بالجيوش فحسب وانما بالهجوم والغزو البشري لكي يفنى شعبنا في المغرب ويحل محله شعب آخر، وصمد الشعب العربي لمعركة الافناء هذه، واستطاع من خلال هذه المعركة الشاقة ان يرجع الى نفسه وان يعيد النظر في كثير من التقاليد التي استلمها والانظمة التي كان يرتضيها والقيم والمفاهيم القديمة لكي يدافع عن بقائه امام شعب غاز متحضر. ففي المغرب العربي وقفت الامة العربية ممثلة في الشعب المغربي وجها لوجه امام الحضارة الاوروبية فكافحت وصمدت واعطت البرهان على حيوية امتنا وقدرتها على التجدد واعادة النظر في كثير من شؤونها لكي تصحح الاخطاء الماضية وتجدد الحاضر الذي هي فيه.
ان هذه التجربة الواسعة العميقة التي يخوضها الشعب العربي في المغرب وتونس والجزائر خاصة، والتي تبدو ثمارها وعلائمها ومميزاتها منذ الآن بأنها نظرة جديدة إلى الحياة وتقدير اساسي للحرية وللديمقراطية وايمان لا يتزعزع بالمساواة الانسانية..كل هذا يمكن ان يؤديه المغرب العربي الى النهضة العربية عامة لان تجربة المشرق العربي لم تكن بمثل هذا العمق، فلقد اراد الله ان يجعل اقطارنا متكاملة يكمل بعضها بعضا لكي تأتي النهضة العربية الحديثة كاملة الجوانب ولكي تكون جديرة بماضي العرب، وتكون نهضة أصيلة تفيد شعبها وتفيد الانسانية.

عام 1960

(1) حديث ألقي في الدار البيضاء بدعوة من جريدة "الطليعة" الناطقة بلسان الاتحاد المغربي للشغل بمناسبة احتفالات أول أيار.
avatar
عزالدين بن حسين القوطالي
مساعد المدير
مساعد المدير

ذكر
عدد الرسائل : 268
تاريخ التسجيل : 16/12/2006

http://yahoo.fr

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى