البعث والتراث

اذهب الى الأسفل

موضوع مثبت البعث والتراث

مُساهمة من طرف عزالدين بن حسين القوطالي في الإثنين 25 فبراير 2008 - 19:30

البعث والتراث
محاولة أولية لرصد العلاقة والموقف




ماجد السامرائي


في المنطلقات النظرية التي أقرها المؤتمر القومي السادس لحزب البعث العربي الإشتراكي تتحدد وبصيغة واضحة المبزتان الأساسيتان لإيديولوجية البعث وهما : (العلمية) و(الثورية) . فإيديولوجية البعث القومية الإشتراكية هي إيديولوجية علمية وهذا ذاته يقود الى نتيجة هي أن العقل العلمي بطبيعته ينفتح دائما على الواقع ويتغذى من كل التجارب ويرفض الأطر المسبقة . -1-
لو بدأنا من هذه المحصلة التي تكون الأساس الجوهري لهذه الإيديولوجية – العلمية الثورية – وإتخاذها منطلقا لموضوع حديثنا عن (البعث والتراث العلاقة والموقف) لأمكننا في ضوئها أن نتلمس الكثير من معطيات فكر البعث . ومنذ البدء يمكن أن نقرر أن هذا الموقف في أساسه وحقيقته (موقف تحليلي) من تلك التجربة الفريدة التي عاشتها الأمة العربية وعاشها وكون عناصرها الإنسان العربي في ماضيه الحضاري وهي تشكل اليوم ما نطلق عليه تسمية ( الماضي العربي ) أو ( التراث ) .
فإذا كان العرب في ماضيهم قد فتحوا (( نفوسهم قبل أن يفتحوا العالم وجددوا حياتهم الداخلية قبل أن يجددوا العالم الخارجي وعاشوا في المستقبل قبل أن يعيشوا في الماضي والحاضر وكانت حياتهم بمستوى آمالهم )) -2- .. فإن البعث في نظرته الى الماضي هي نظرة وعي لمكوناته وتعرّف على الخصائص الإيجابية فيه وموقفه منه إنما هو : (( موقف علمي حي يستهدف الجوهر والماهية ويفتح آفاق المستقبل )) -3-.
من هذا نستطيع أن نتبين لماذا كان التراث أو الماضي الحضاري للأمة العربية من أكثر الأمور التي حضيت بإهتمام البعث كحركة ثورية قومية المبادئ والأهداف وتكاد الكثير من الكتابات الأساسية للحزب التي تناولت القضية العربية في بعديها الفكري والحضاري أن تشكّل ( ملاحظات منهجية ) هي الأساس والمنطلق في تحديد قيمة هذا ( التراث) أولا وفي تعيين ( الموقف) منه ثانيا . وإن كانت الصفة الغالبة على كثير منها هي قربها من ( التأملات) التي تقترب من (التأملات الفلسفية) وإن يكن ( الفكر القومي ) جوهرها ومنطلقها فهي من نوع التأمل في روح الأمة في أعماق حضارتها وبالتالي في عملية إكتشاف لجوهر شخصيتها الإنسانية .
وتكاد الكثير من النتائج التي تخلص إليها هذه ( التأملات) تصل بنا الى حقائق ذات أهمية خاصة في توضيح معالم نظرة البعث كحركة تاريخية كحركة إبداع جديد وإغناء للواقع العربي . ولعل المهم والأساس في هذه النظرة كونها لم تخضع لذلك التشويه الميكانيكي ولم تصبها الدوكماتية فهي نظرة ظلت محافظة على جوهر أصيل يتمثل في ذلك ( الفعل الخلاق) الذي ترك ومنذ البداية نتائج ومردودات ذات وجود مباشر ومحسوس في الواقع العربي حتى أن نظرة البعث للأمة العربية ولماضيها الحضاري يمكن أن تعد بمثابة ( حجر الزاوية) في تفسير جوهره الفكري .
وهنا لا بد من إيضاح معالم وقسمات هذه ( النظرة – الموقف) ففي المحاضرة التي ألقاها القائد المؤسس للحزب الأستاذ ميشيل عفلق في 19/01/1976 يركز الحديث فيها على هذه القضية الأساسية التي كثيرا ما تجلت في كتاباته على مختلف المراحل وظلت واحدة من أبرز (القضايا الجوهرية) في نظرة البعث للقومية والحضارة العربية هذه القضية هي ( التراث) والموقف منه ؛ وفي هذا الصدد يشير الأستاذ ميشيل إشارة بالغة الأهمية حين يؤكد : (( بأننا لم لجأ الى التراث كما كان يفعل التقليديون من أجل التكرار والتقليد تكرار القول والتقليد غير المثمر وغير المنتج نظرتنا الى التراث عبر نظرتنا الى العصر وحضارته الى العصر ومشاكله الى العصر ومقومات قوته وعبر نظرتنا الى واقعنا المتخلف فكانت نظرة جديدة ...)) ويضيف الأستاذ ميشيل الى هذا إيضاحا يحدد (جدلية) الموقف من التراث إذ يقول : (( لم نطلب من التراث أن يكون بديلا عن الجهد الذي يطلب منا أن نقدمه وإنما نحن عشنا الثورة المعاصرة بكل متطلباتها ومن خلالها وجدنا أن تراثنا يعطينا أصالة لا يمكن لأية ثورة وأية نظرية فلسفية معاصرة أن تهبنا إياه ...)) -4- .
ولو تأملنا في جانب كبير من كتابات الأستاذ ميشيل وكذلك في كتابات أخرى أنتجها المفكرون والمثقفون البعثيون فإننا نجد هذا المعنى يتواتر عندهم بل أذهب الى القول أن كثيرا من هذه الكتابات إنما قامت على فكرة من هذه الأفكار الأساسية التي تضمنتها كتابات القائد المؤسس للحزب .
إن التأكيد والتوضيح لهذه الصلة بالماضي والأهمية التي يشكلها تراثنا القومي بالنسبة لحاضرنا نجد ( قوانينها الأساسية) في كتابات الأستاذ ميشيل عفلق فهو مثلا حين يبحث ( الصلة بين العروبة والحركة الإنقلابية) نجده يذهب الى (( أن التشبع بالتراث القومي لا يعني مطلقا العبودية للماضي والتقاليد ولا يعني فتور روح الإبتكار والتجديد بل يعني العكس تماما ... والبعث إذ يفلسف هذه الصلة ويعطيها بعدها في الحاضر والمستقبل فما ذلك إلا للتأكيد على أن إتصالنا بروح الأمة وتراثها يزيد في إندفاعنا ويقوي إنطلاقنا ويضمن إتجاهنا فلا نكون حائرين لأننا نكون واثقين أن كل شيء فينا سيكون ملائما لروح أمتنا ...)) -5- . فتراث الأمة في نظر البعث إذن هو أحد أهم مصادر التشبع بما في روح هذه الأمة من جوهر خلاق ذلك أن : (( شعورنا بهذه الصلة القومية العميقة بأمتنا هو الذي يوصلنا الى الإنقلاب ...)) -6- . ولكن هذه الصلة ليست عائمة .. إنها ترتكز على ( محاور جدلية) واضحة ومتداخلة بعضها ببعض .
يقول الأستاذ ميشيل عفلق موضحا طبيعة هذه الصلة : (( الماضي كحقيقة للروح العربية كحقيقة متحققة للروح العربية لا يمكن أن يأتي ولا يمكن أن يرجع ويعبط وينزل .. وإنما علينا نحن أن نسير نحوه سيرا تقدميا الى الأمام وأن نرتفع إليه ونصعد وأن نسلك طريقا وعرة متعبة حتى ننمي فينا الفضائل والمواهب والقوى التي تؤهلنا أخيرا لأن نفهمه فنمتزج به ونلتقي معه فالسير التقدمي والسير الصاعد في طريق الإنقلاب هو السبيل الوحيد لإلتقائنا بماضينا وهذا الإلتقاء لا يكون إلا إرتقاءا ولا يكون هبوطا وإنحدارا وإمعانا في الجمود والقعود ...)) -7- .
من هذا يمكننا أن نتبين هذه ( المحاور الجدلية ) متعيّنة :
· فالمحور الأول : الحاضر – الماضي بإتجاه المستقبل .. (( لقد كان ماضينا إنقلابا ولن نبلغ مستواه ولن نلتقي به إلا عن طريق الإنقلاب ..)) -8- .
· المحور الثاني : إلتقاء روح الماضي أو جوهره بحقيقة الحاضر للإرتقاء في مدارج المستقبل .
· أما المحور الثالث : فيتمثل في ( إبداع الشخصية العربية الجديدة) من خلال جدلية المحورين السابقين وهي الطموح الثوري فعليها تقع مهمات تحقيق الإنقلاب في الواقع العربي .
إن هذه النظرة إنما هي نظرة تضع الإنسان في المستقبل ومن هنا فهي نظرة ( تطور دائم) طالما هي مشدودة بهذا الرباط الروحي العميق ؛ إن جدلية (الماضي – المستقبل) تمثل التجاوز كما تمثل صورة الإرتفاع بالقيم النضالية الثورية الى مستوى يتحقق فيه هذا (الإنقلاب) الذي (( هو التغيير الحاسم في مجرى حياة الأمة ...وهو تحوّل حاسم يختلف عن التطور...)) -9- .
إن البعث في موقفه من التراث وفي بناء صلته به يفرق بين شيئين : بين إستلهام روح الحضارة في جوهرها المشرق وعدم بتر الصلة بين حاضر الأمة وماضيها نحو مستقبلها وبين العبودية للماضي . فـ : ( الحاضر – الماضي – المستقبل ) هذه الثلاثية التي يقيم عليها البعث أساس موقفه ومنها يكون جوهر نظرته الى التراث إنما تتوخى قصدين أساسيين مركزيين في تفكيره :
· أولهما : هو عدم هدم الجسور بين حاضر الأمة وماضيها من جهة وبين حاضرها ومستقبلها من جهة ثانية بل أن هذا المستقبل إنما هو هو حصيلة هذا ( الموقف الجدلي) .
· أما ثانيهما : فهو متصل بالأول منبثق منه مبني على الوعي بمسألة أساسية في التاريخ الحضاري لهذه الأمة هذا التاريخ الذي هو في حقيقة تكوينه عبارة عن ( متوالية) تتشكل من حدين : القطع والإتصال . إذ لو نظرنا الى التاريخ الحضاري للأمة العربية لوجدنا ما يمكننا تمثله في العلو والهبوط التوهج والذبول القمة والسفح ... إلخ
وبالإضافة الى هذا هناك هذا ( البتر) الحاصل ما بين مرحلة وأخرى للحد الذي تبدو فيه الإنكسارات في حياة هذه الأمة وكأنها عامل إنقطاع حضاري .
البعث وعى هذه الحقيقة وعيا حضاريا فعمل على إيجاد الأساس الفكري الذي يتضمن من بين ما يتضمن الرد على هذه الحالة فهو إذ يمد الجسور من الحاضر الى المستقبل لا يهدم سبل التواصل والإضاءة التي تربطه بالماضي الحضاري للأمة فذلك الماضي في واقعه المتعين تجربة لها خطأها وصوابها وقد أعطت .. ومرت فترات إنكسار أوقفت إمتداد وتنامي هذا العطاء فأصبحت تاريخا له مقوماته . والسير بإتجاه المستقبل تجربة أيضا معرضة للخطأ كما هي تصبو الى الصواب ويمكننا أن نقلص هذا ( الخطأ) أو نقلل من حدته إذا ما نظرنا في (تجربة الماضي) وإذا ما إستلهمنا الروح الإيجابي لحضارته الغاربة .
(( إن الماضي هو المبدأ والمستقبل هو الغاية وإن المثل الأعلى كائن في المستقبل وإن تجربتنا اليوم هي إمتداد لتجربتنا في الماضي وإن إمكانيات الأمة العربية لم تستنفد وإنها منبع دائم للبطولات ...)) -10- هذه هي خلاصة الموقف وجوهره فالتراث في نظر البعث هو هذه الذاكرة الحاضرة التي تحتفظ بكل ما لذلك الماضي من أصالة وحرية إبداع وفعل خلاق هو رصيد الأمة الباقي وهو البعد التاريخي لشخصيتها ولعل جميع الكتابات التي تدور حول هذا الموضوع أو تنطلق منه في أدبيات حزب البعث إنما هي إجابات عن السؤال المتعلق بالكيفية التي يمكن أن نحول بها قيم الإبداع وخصائص الأصالة وأفعال البطولة في ذلك الماضي الى قوة محركة ودافعة في عناصر هذا الحاضر .
وفي هذه الإجابة يتجلى الموقف الكلي وينعكس ليتفتح عن مستقبل متكامل الأبعاد فتلك الإمكانات المضمرة تتحول هنا الى دافع وحركة بإنتقالها من مستوى المعنى ( حقائق تتحدث عن نفسها تعبيرا أو شواهد قائمة تقدم بعدا في الوجود ) الى حالة من حالات الواقع الى وقف يجسد معالم هذا المستقبل ويعطي أبعاده .
إن نظرة البعث هذه تنطلق من أساسين :
· أساس إيديولوجي قائم على النظرة القومية ومستمد من الشعور القومي العميق الواعي .
· وأساس فلسفي يأخذ بمبدأ المعرفة دون أن يجعل من هذه المعرفة بالماضي بدءا فقط وإنما نتيجة أو خلاصة لتجربة .
فكلّ أمة عظيمة كما يقول الأستاذ ميشيل عميقة الإتصال بمعاني الكون الأزلية تنزع في أصل تكوينها الى القيم الخالدة الشاملة .
الهوامش :
-1- أنظر ( بعض المنطلفات النظرية لحزب البعث العربي الإشتراكي ) التي أقرها المؤتمر القومي السادس عام 1963.
-2- د. إلياس فرح : الفكر العربي الثوري أمام تحديات المرحلة : ص 253.
-3- نفس المصدر : ص 257.
-4- جريدة الثورة : 24/12/1976.
-5- ميشيل عفلق : في سبيل البعث الطبعة الخامسة . ص 79.
-6- نفس المصدر : ص 79.
-7- نفس المصدر : ص 87.
-8- نفس المصدر : ص 88
-9- نفس المصدر : ص 90.
-10- د. إلياس فرح : مصدر سابق : ص 251.
-11- في سبيل البعث : ص 132.
بحث منشور بمجلة آفاق عربية
العدد 8 نيسان 1976
avatar
عزالدين بن حسين القوطالي
مساعد المدير
مساعد المدير

ذكر
عدد الرسائل : 268
تاريخ التسجيل : 16/12/2006

http://yahoo.fr

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى