ثورية القومية العربية

اذهب الى الأسفل

موضوع مثبت ثورية القومية العربية

مُساهمة من طرف عزالدين بن حسين القوطالي في الجمعة 29 أغسطس 2008 - 13:42

ثورية القومية العربية




الثورة كلمة عريضة، دب إليها كما دب إلى غيرها من الشعارات الذائعة، غموض وقلق. وليس المجال ههنا مجال تحديد معانيها. ومثل هذا المطلب ليس بالمطلب اليسير، إذا أخذنا الكلمة في مدلولها المطلق عارية عن أي زمان ومكان.
وحسبنا أن نسهم في توضيح معالم الفكرة الثورية بعد أن نضعها في إطار زمان معين ومكان معين، أي في إطار الفكرة القومية العربية في مرحلتها الراهنة. ونقدم بين يدي هذا التوضيح المتصل بالفكرة الثورية في القومية العربية، بعض الصوى نضعها على الطريق. إذ مهما يكن من أمر المضمون الفكري والفلسفي لكلمة ثورة، يظل من اللازم أن تستبين الفوارق بينها وبين فكرة تقرن بها غالباً، وتكاد تكون بمثابة التوأم لها. ونعني بهذه الفكرة المحافظة والإصلاح والتقدم.
أما المحافظة فنسبها إلى الثورة نسب تضاد، وهي تذكر في نعظم الأحيان كنقيض لها. والبون بينهما على وضوحه بعض الشيء، يحتاج في الواقع إلى مزيد من الجلاء في الأذهان. فالفكرة المحافظة كثيراً ما تؤخذ على أنها فكرة تعني استمرار ما هو قائم وبقاء الأوضاع على ما هي عليه. وكثيراً ما يخيل إلى الأذهان أنها لا تحمل بالتالي فكرة معينة ومذهباً ذا حدود وأصول، وأنها لا تعدو أن تقرر قولة ليبنتز بأن هذا العالم هو أحسن العوالم الممكنة، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان.
والواقع أنّ الفكرة المحافظة، ولا سيما في عصرنا، وبعد تطور الأفكار الثورية وانتشارها، لم تعد على هذا النحو البدائي، وحاولت أن تضمِّن مفهومها مبادئ معينة، بل ثورية من نوع خاص، نستطيع أن نسميها ثورية مقلوبة. ولم تعد هذه الفكرة المحافظة تعني ذلك الشكل الأولي منها، شكل التغني بماض زائل والاستمساك العاطفي بعصور خالية لها عندها صفة القداسة. وهي في معظم اتجاهاتها الحديثة تعني شيئاً أوسع من هذا وأصلب عوداً، نجده عند ذلك الفريق الذي تطلق عليه أحياناً تسمية أخرى، هي تسمية «الرجعية». فالرجعي لا يأسف على الماضي لما له في نفسه من سحر، وإنما يتعلق به لأسباب لا شأن لها بالشعر والخيال: يتعلق به تعلقه بمبدأ أساسي لديه، هو أن الطبيعة الإنسانية واحدة غير متغيرة، وأن الإنسان مخلوق لأن يحيا في ظروف محددة، هي تلك الظروف التي يدافع عنها ويطلب العودة إليها، لأسباب لا مجال إلى تحليلها، بعضها شعوري وبعضها لا شعوري. وهكذا نجد أن الماضي الذي يدعو إليه الرجعي، ما هو بالماضي الغائم، وما هو مجرد الاستمرار في تقاليد معينة، وإنما هو قبل هذا وفوق هذا ماض مشخص ما تزال بعض عناصره قائمة في الحاضر، وما يزال بالتالي من الممكن في نظره، لهذا السبب، أن نعيده كاملاً. وبتعبير آخر أوضح، يشترك المحافظ مع الثوري في أن كليهما يرى في الحاضر انحرافاً عن المجرى الطبيعي للتاريخ ومغايرة لمستلزمات الطبيعة الإنسانية. سوى أن الرجعي يرى خلافاً للثوري أن الطريق المؤدية إلى أصول الطبيعة البشرية وجوهر الإنسان طريق شاقة طويلة مليئة بالمخاطر ولهذا كان لا بد من أجل تغيير المجتمع من نموذج معين معروف، سبق أن أثبت قيمته وشأنه في أجيال خالية، وعلينا بالتالي أن نقتنيه من جديد بعد أن ننزع عنه ما فيه من أشياء تجاوزها الزمن وندخل عليه بعض التعديلات التي تتلاءم مع الظروف الجديدة للحياة.
وفي هذه الناحية يلتقي الرجعي مع الثوري ويختلف عنه في آن واحد. فالثوري بدوره يؤمن بما يمكن أن ندعوه «أسطورة الأصول» ونعني بذلك أنه يهدف هو أيضاً إلى أن يعيد الإنسان إلى صفائه الأول وإلى أن يخلص الماضي من الطفيليات التي نمت على هوامشه فغطته وكادت تطحنه بثقلها. سوى أنه يفترق عن الرجعي في شيء أساسي هو أنه لا يستمسك بحرفية ماض معين، وإنما ينبش في الماضي أوضاعاً تعبر تعبيراً صادقاً عن الطبيعة الإنسانية في كامل تحققها وعلى نحو ما يفهمهما، ويود أن يقذف في المستقبل التحقيق الكامل لمثل هذه الأوضاع التي تاهت وضاعت. فالثوري يؤمن بالديمومة إيمانه بالصيرورة، وهو إذ يتجه بكامل قواه نحو المستقبل يحاول أن يجد تبريراً لهذا المستقبل في الماضي، دون أن يقيد هذا المستقبل بخطوات الماضي كاملة ودون أن يحصر نفسه في إطار ماض محدد لا يتجاوزه. إنه يبحث خلال تاريخ الإنسان عن الصفحات التي تجلت فيها أصالته، ويود أن يكمل هذه الصفحات مستلهماً روحها لا شكلها.
تلك لمحة عابرة عن أواصر النسب بين الثورة والمحافظة. ويستبين الأمر أوضح إن نحن نظرنا في الصلة بين الثورة والتقدم. فعلى حين نجد الرجعي والثوري يشتركان في الوقوف من الحاضر موقفاً سلبياً، وفي اعتباره شذوذاً تاريخياً وانحرافاً بالقياس إلى مثل أعلى معين نجد التقدمي يقبل على العكس واقعه وعصره كما هو، بكل ما فيه من خصائص، لأنه يرى أن كل ما في التاريخ يخضع لقانون التقدم والتطور الذي لا يغلب، والتطور التاريخي، إذ يسيطر عليه هذا القانون، عملية لا ردة فيها تسوقنا في تيارها السائر شئنا أم أبينا، ومن العبث أن نحاول معاندتها. ومقاومتها لا تعدو أن تكون ضرباً من مقاومة نظام الفصول الطبيعية أو تتابع الأجيال البشرية. وعلى حين نجد الرجعي يعتقد أن في وسعه، بعد شيء من التعديل وبعد إجراء بعض التنازلات، أن يعاود مجرى التاريخ وأن يصعد إليه كرة أخرى، ضمن حدود تاريخ معين على أقل تقدير، نجد التقدمي يستسلم لمجرى التاريخ هذا استسلاماً كاملاً. إنه يستلقي فيه ويحمل نفسه في تياره، لا كسلاً ولا عجزاً أو إيماناً بقدر محتوم، بل إيماناً منه بأنه اكتشف القانون الأكبر الذي يسيطر على مصير الإنسان فما له عنه من محيد، قانون التقدم، قانون تطور وفق خط مستقيم يستوي إلى الأبد. والحق أن فكرة الأبدية واللاتناهي هي المسلمة الأولى في قانون التقدم. ومن هنا كان جوهر التقدم أنه لا يحمل في طياته مستقبلاً معيناً يمكن التنبؤ به، وأنه لا يعبأ برغباتنا ومنازعنا ومثلنا العليا، وأننا نجهل الجهل كله ما عساه يخبئ لنا في مستقبل قريب أو بعيد، أكارثة كونية أم جنة عدن!
من هنا نرى أنه إذا كان الرجعي هو رجل «الأشياء المحددة الثابتة» فالتقدمي، على العكس تماماً، متحرر من أي «تثبت» على شيء، ومن أي «وقفة» عند حدود عصر تاريخي معين. وعلى حين نرى الأول متعلقاً بماض معين، محدد في الزمان، نرى الآخر ينظر إلى أي ماض نظرته إلى شيء مضى وانقضى ولا سبيل إلى إعادته. وعلى حين نجد الثوري متعلقاً بمستقبل معين واضح المعالم بوجه عام، نلفي التقدمي مؤمناً بلا أدرية مطلقة بالنسبة إلى المستقبل.
على أن حدود المفهوم تستبين عن طريق قرنها بعد هذا بالمفهوم الإصلاحي خاصة. فالمفهوم الإصلاحي أقرب نسباً إلى المفهوم الثوري من المفاهيم السابقة، بل هو المنافس الذي يلتبس به دوماً ويزيف حقيقته. وكثيراً ما نجد المفهوم الثوري يتردى في بعض الأذهان إلى مفهوم الإصلاح، فيفقد معالمه الأصلية. ذلك أن فكرة الإصلاح تتفق مع فكرة الثورة في الدعوة إلى مستقبل معين واضح الحدود، فيه تقويم للأوضاع وعودة بالإنسان إلى الأصول. غير أنها تفترق معها افتراقاً بائناً في الأسلوب الذي ترسمه للوصول إلى هذا المستقبل. فهي ترى أن في مقدورنا أن نصل إلى المستقبل المنشود، أياً كانت معالمه، عن طريق حركة تطورية إصلاحية نجريها ضمن المجتمع القائم، تؤدي إلى تقوية بنيته شيئاً بعد شيء والسير نحو السلامة المرجوة. بينما ترى الفكرة الثورية أن مفاسد الحاضر هي من التداخل والتشابك بحيث لا تجدي فيها الإصلاحات الجزئية، ولا بد لتغييرها والانقلاب عليها من ثورة شاملة، ثورة جذرية تتناول الأشياء من قواعدها، وتبدأ بالبداية. وبتعبير آخر نستقيه من ميدان الصحة الجسدية، ترى الفكرة الإصلاحية أن علاج الأمراض الاجتماعية لا يحتاج إلا إلى أدوية عادية طويلة المدى، بينما ترى الفكرة الثورية أن هذا العلاج في حاجة إلى عملية جراحية، إلى استئصال لأصول الداء وجذوره، إلى التخلص من البؤرة السرطانية.
من خلال هذه الصوى المتفرقة تستبين لنا بعض الشيء أهم ملامح الفكرة الثورية. إنها أولاً فكرة تؤمن بنموذج إنساني معين، تحققت بعض جوانبه في الماضي، ولا بد من جهد ثوري لتحقيقه كاملاً في المستقبل. وهي ثانياً ترفض حرفية الماضي وعودته في شكله كاملاً، ولكنها تؤمن بروح معينة نجد تجليات لها في هذا الماضي ويمكن أن تأخذ في المستقبل شكل تجليات أخرى مبدعة. وهي ثالثاً لا ترى أن تحقيق النموذج الإنساني الذي تهدف إليه يمكن أن يتم عن طريق تطور التاريخ تطوراً عفوياً، بل تؤمن بأن لا بد من التدخل في مجرى التاريخ، وأن هذا التدخل هو جوهر الإنسان ووجوده. سوى أنها لا تكتفي من هذا التدخّل بالإصلاح العابر الجزئي، بل ترى أن بلوغ المثل الأعلى الإنساني لا بد فيه من انقلاب كامل على الحاضر،
لا بد فيه من انقلاب تام في المفاهيم والقيم والوسائل.
ولا يعني الانقلاب الكامل على الحاضر والانفصال عنه، تجاهله والجنوح إلى عالم خيالي طوبيائي، وإنما يعني على العكس استخدام هذا الحاضر استخداماً جديداً من شأنه أن يعيد تشكيله ويكونه تكويناً مبتكراً سليماً. وبتعبير آخر، لا ينظر الثوري إلى الواقع القائم على أنه هو الواقع الإنساني الأصيل، وأن له بالتالي صفة الحق الشرعي في البقاء، وإنما ينظر إليه على أنه هو الشيء المنحرف غير السوي، وأن قلبه يعني إعادة الأمور إلى نصابها ورد الأشياء إلى طبائعها. وبكلمة أخرى، أيضاً، لا يخاف الثوري من المفاسد القائمة في الحاضر خوفاً يشل إرادته وتفكيره ويجعله يعتقد بأنها هي الشيء الوحيد الممكن، وإنما ينظر إلى المفاسد نظرته إلى «تشكلات سطحية» دخيلة، تزول بيسر إذا حركتها يد من داخل، يد ثورية تحمل حرارة النظرة الصحيحة.
وإذا أردنا تصويراً آخر للفكرة الثورية، قلنا أن هذه الفكرة تؤمن بنوع من الحركة الخلاقة الشاملة التي إذا وجدت غيرت كل شيء، ولا تؤمن بأن بناء الأشياء والمجتمع يمكن أن يكون ذرة ذرة وقطرة قطرة. إنها تعتبر حركة الحياة حركة مبدعة تعمل عن طريق تيار حيوي مبدع يصهر الأشياء صهراً جديداً. وترى أن التطور عن طريق رصف الأشياء نقطة نقطة ورملة رملة، أمر يحتاج مالا يتناهى من السنوات، ويقصر عنه عمر التاريخ. ولا بد بالتالي في تغيير الأمور من روح تطغى على كل شيء، نظرة تقلب. موقف نفسي من شأنه أن يهب الأشياء القائمة غير شياتها. وأن يمنح مواد الواقع غير صفاتها.
ومن هنا ينشأ سوء التفاهم بين الثوري وغير الثوري، إذ يتكلم كل منهما لغة غير لغة الآخر، ويبدأ من بدايات مفترقة. فغير الثوري حين يتهم الثوري، كما يقع غالباً، بالخيالية،
لا يحاول أن يفهم منطقة من داخل، وإنما يسلط عليه منطقاً هو المنطق الذي يريد هذا الثوري أن ينقلب عليه. والخلاف بينهما بالتالي خلاف في الحدس الأصلي. فالحدس الأصلي عند غير الثوري حدس مستسلم خائف، غير مدرك لصفحة الواقع كاملة، ينظر إلى الجزء على أنه الكل، ويعتبر النتائج أسباباً، والفروع أصولاً. أما حدس الثوري فحدس جامع شامل، ينظر إلى الأمور كلها في سائر مفاصلها وحلقاتها، وينبش خيطها الناظم وروحها الرائدة، فيثق ويطمئن حين يدرك أن ما يخيف غيره ما هو إلا قشرة سطحية زائلة، ونتائج لا أسباب، نتائج لموقف مغلوط من الأشياء ونظرة مقلوبة إلى الأمور. ويؤمن في نهاية الأمر أن هذا البنيان الفاسد متداع من تلقاء نفسه ساعة نبدأ من الجذور وننطلق من موقف إنساني خصيب.
* * *
من خلال هذه الأمور كلها يمكن أن نفهم الفكرة الثورية في القومية العربية. إن هذه الفكرة في قلب الواقع وصميمه، ولكنها تأبى أن تعترف على الواقع المشوه، لتنصبه في مقام الأصيل، وأن تترك الأصل واضعة إياه في مستوى الخيال.
وأول ما تقرره في هذا المجال أن واقع العرب الحقيقي لا يثوي في كيانهم المجزأ، وإنما يثوي في كيانهم الموحد. وهي إذ تقرر ذلك تستند إلى واقع خلاق تؤيده النظرة الشاملة السوية. إنها لا تقول بالوحدة قولها بفكرة خصيبة منتجة ذات مردود عملي قوي فحسب، وإنما تقول بالوحدة لأنها ترى، بالاستناد إلى التاريخ وإلى واقع الشعور العربي، أن التجزئة من نتائج الكيان المريض للأمة العربية، وأن العودة إلى الوحدة تعني تصحيح الأوضاع ورد الأمور إلى نصابها. وهي إذ تقرر ذلك تعيش في صلب الواقع، الواقع الحي كما يظهر للحدس الشامل الكامل، لا للنظرة القاصرة العشواء: فالواقع هو الذي يؤكد لها أن القيم الإنسانية الحضارية للأمة العربية كانت يوم وحدتهم. والواقع هو الذي يبين لها أن التجزئة كانت تتكاثر وتسير جنباً إلى جنب مع ضعف الكيان العربي ودخول العوامل المخربة فيه. والواقع هو الذي يحدثهم عن أن القوى النفسية الحقيقية للأمة العربية تنطلق من خلال الأحاسيس العربية المبثوثة في كل عرق، وأن عناصر الإبداع العربي تنتظر كيانها الطبيعي الذي تتحقق فيه، كيان الأمة الموحدة. والواقع هو الذي يومئ فوق هذا كله إلى ما ينتظر من وحدة العرب من نتائج تتصل بزيادة طاقاتهم الروحية والاقتصادية والعسكرية، زيادة ليست مبرر الوحدة دون شك ولكنها قرينة تدل على أصالة الوحدة واتصال فكرتها اتصالاً حياً بجوهر وجود العرب على الأرض.
على أنه إن كانت فكرة الوحدة العربية هي رأس الأفكار الثورية التي نجدها في القومية العربية، فهذا يعني شيئاً لا ثاني له وهو أنها لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق عقل ثوري وعمل ثوري. إنها، إذ تصدر عن حدس ثوري أصيل ينظر إلى الأشياء نظرة فيها تخط الفساد وتجاوز للنظرات الجزئية وذهاب إلى الأصول، لا بد كيما تتحقق فعلاً من أن يكون أسلوب عملها اليومي ونضالها الدائم مستوحى من مثل هذا الحدس حافظاً له. والمنزلق كما قلنا هين خطير بين الفكرة الثورية والفكرة الإصلاحية. والفكرة الإصلاحية هي التي تنتحل عادة لنفسها صفة الثورية وهي التي تتـزيّى بزي الثورة فتزيفها وتبعدها عن أصولها وعن حرارتها. وفكرة الوحدة العربية كما قلنا ونقول فكرة إما أن تصدر عن ثورية أصيلة وإما ألا تكون البتة. بل إن انقلابها إلى ضدها لا بد واقع أن هي ظنت أن الوحدة يمكن أن تتم عن طريق مهادنة التجزئة، أو عن طريق السير بعقلية التجزئة ضمن الوحدة.
إن العمل للفكرة العربية، لكونه عملاً ثورياً، لا بد فيه من نضال يومي في سبيل هذه الفكرة، ولا بد فيه من نظرة شاملة كاملة تغذي كل سلوك يومي وتطبع كل حركة. وليس أعداء الوحدة الحقيقيون أولئك الذين لا يأخذون بها – فهؤلاء لن يقووا على مغالبة طبائع الأشياء – بل أعداؤها الحقيقيون هم أولئك الذين يأخذون بها دون أن تغذيهم فكرتها الثورية الحقيقية، والذين يتبنون شعاراتها ظاهراً ويعيشون في عقلية التجزئة باطناً. فمثل هؤلاء هم الذين يتيحون لأعداء القومية العربية أن ينقضّوا عليها ويفضحوا ثغراتها، وما يفضحون في الواقع ثغرات فيها، وإنما يفضحون أسلوباً خاطئاً في فهمها أو إنفاذها.
ولا يتسع المجال للحديث عما ينسحب من هذه النظرة إلى ثورية الفكرة العربية من نتائج لا حصر لها تتصل بالوسائل الثورية لبلوغها.
وحسبنا أن نذكر أن الفكرة العربية، ما دامت نظرة إلى الإنسان عامة ونظرة إلى الإنسان العربي خاصة، لم تعد مجرد أمنية أو مداعبة عواطف، بل غدت شيئاً ذا مضمون إيجابي بناء، من شأنه أن يجعل من هذه الفكرة فكرة خصيبة ترفع مستوى العربي الحضاري والإنساني وتجعله عاملاً من عوامل المدنية في العالم. ولهذا كان المضمون الذي تنادي به الجمهورية العربية المتحدة اليوم، حين تجعل هدفها بناء مجتمع اشتراكي ديمقراطي تعاوني، مضموناً أساسياً في إعطاء الفكرة العربية كامل معناها وتحميلها تمام ثوريتها. إنه هو القمين بأن يوقظ ملايين الشعب العربي الراكدة التي حالت ظروفها الاقتصادية والاجتماعية السيئة بينها وبين أن تبدع وتعطي. إنه هو الذي يقدم للإنسانية وثبة حضارية حقة إذ يحرر هذه الملايين من قيود أوضاعها، وإذ ينطلق من فكرة أساسية وهي أن الخير والعطاء للأمة العربية وللإنسانية يثويان في هذه الجموع الشعبية الفقيرة المحرومة التي تنتظر من يفك عنها الأغلال لتنطلق وتبدع.
إن ثورية القومية العربية تحمل معناها أولاً وآخراً في قدرتها على أن تحرر الإنسان العربي وتطلق قوى الإبداع لديه. إنها تصدر عن مسلمة أولى هي أن التحرير العميق الحق لهذا الإنسان لا يمكن أن يكون إلا ضمن كيان عربي موحد يتحمس له ويستخرج في سبيله كل مدى طاقاته وإمكانياته ويجد ذاته في إطاره.
ومعنى هذا بلغة أخرى أن الوحدة هي الإطار السليم لتحقيق مضمونها، وأنها وهذا المضمون شيء واحد، ولا سبيل إلى فصل أحدهما عن الآخر. وثورية فكرة الوحدة تأتيها من أنها تخرج من ذلك الدور الفاسد المعطل. وقوام هذا الدور الفاسد أو الحلقة المفرغة أن الوحدة لا تتحقق إلا إذا تحرر أبناء الشعب العربي من قيود أوضاعهم الاجتماعية فأصبحوا سادة مصيرهم. إنها تكسر هذا الدور حين تقرر أن التربة الطبيعية لتحرير الشعب العربي المحروم المهمل هي تربة الوحدة، وأن انتظار تحرر الشعب العربي ضمن إطار التجزئة مباينة لمنطق الواقع، إذ يعني هذا الانتظار تعريض الشعب العربي ضمن التجزئة لعبودية أكبر وقيود داخلية وخارجية أخطر. ولهذا كانت ولادة الجمهورية العربية المتحدة على الشكل الذي جرت عليه عملية ثورية أساسية، إذ صدرت عن إيمان بأن الوحدة هي سبيل القضاء على المفاسد والأدواء التي تحول دون قيام الوحدة، وأن التوحيد بحد ذاته عمل مبدع خلاق من شأنه أن يولد طاقة جديدة تقوى على محاربة المفاسد التي لا تقوى عليها التجزئة. وهكذا عزمت الجمهورية العربية المتحدة بخطواتها الجبارة على أن تقضي على أخطار الوحدة ضمن الوحدة وفي قلب الوحدة، ووجدت أن السبيل الثورية الوحيدة للتغلب على ما يحول دون الوحدة هو أن نحققها عن طريق عزم مبدع خلاق ونتابع ضمنها، عن طريق مثل هذا العزم الخصيب، القضاء على ما يناقضها.
وقد جاءت المراحل التي تلت ولادة الجمهورية العربية المتحدة مؤكدة لهذه النظرة. فالجمهورية العربية المتحدة تلقى كل يوم آلام هذا المخاض الجديد، وتعاني دوماً من آثار التجزئة السابقة وبقايا العقلية الماضية، ولكنها تتغلب على هذا كله ضمن كيان الوحدة وتستمد من الوحدة نفسها قوة ثورية ما كانت لتيسر لها وبدونها، وتقوى أن تصهر ضمن بوتقة الوحدة ما كان عسيراً أن يصهر خارج بوتقتها. وهي بعد هذا، بل قبل هذا، حين تنطلق في طريق البناء الاجتماعي والتشييد، تقوي يوماً بعد يوم عوامل الوحدة ومقوماتها، وتخلق عناصر قوتها واكتمالها.
وبمقدار ما يتحقق لهذه النواة الأولى للوحدة من الاكتمال تجذب إليها أجزاءها الأخرى ويصبح لقاؤها معها لقاءً طبيعياً. إن الفكرة الثورية أساس وجود الإنسان وهي القوة المحركة الغلابة في كل مجتمع. وهي في البلاد العربية خاصة قوام وجود الطليعة الموجهة فيها. ولا بد أن تتلاقى الحركات الثورية التي تعيش في نفوس هذه الطليعة العربية أنى وجدت. على أن مسؤولية الجمهورية العربية المتحدة مسؤولية كبرى في هذا اللقاء. فهي التي تمنح القوة لهذه الحركات الثورية عن طريق ما تشيعه من تحقيق خصيب للأهداف الثورية ضمن كيان مؤهل أكثر من غيره لتحقيق مثل هذه الأهداف.
وبعد، من العسير أن نستنفد في هذه الصفحات موضوعاً هو موضوع وجود الأمة العربية وقوام كيانها الراهن. وحسبنا أن نبشنا عابرين بعض معالمه، تاركين للثورة العربية الكبرى التي نعيشها أن تسطر في الواقع الحي القسمات الكاملة للفكرة الثورية في القومية العربية.

عبد الله عبد الدائم
مجلة » الآداب « الصادرة عن دار الآداب – بيروت
كانون الثاني/ يناير 1960
avatar
عزالدين بن حسين القوطالي
مساعد المدير
مساعد المدير

ذكر
عدد الرسائل : 268
تاريخ التسجيل : 16/12/2006

http://yahoo.fr

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى